القائمة الرئيسية

الصفحات

العدالة الجنائية الدولية والشرعية الدستورية


بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي 


في مشهد دولي تعكره نيران التصعيد، تقف أحداث 28 فبراير/شباط 2026 كعلامة فارقة لا على مستوى المواجهة العسكرية فحسب، بل على مستوى اختبار أسس النظام القانوني الدولي والدستوري ذاته فالضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تخلُ من حوادث خطيرة تستدعي تدقيقاً قانونياً دقيقاً، أبرزها استهداف مدرسة للبنات أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول ولاية المحكمة الجنائية الدولية تستند ولاية المحكمة، بموجب نظام روما الأساسي، إلى عدة أسس؛ أهمها أن يكون الجاني من مواطني دولة طرف، أو أن تقع الجريمة على إقليم دولة طرف هنا تكمن العقدة المركزية فإيران ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي، وكذلك إسرائيل، والولايات المتحدة ليست طرفاً أيضاً وتعادي المحكمة علناً فكيف يمكن للمحكمة أن تمد يدها للتحقيق في هذه الجرائم من الناحية النظرية، يبقى مجلس الأمن الدولي هو البوابة الأوسع، إذ يمكنه إحالة الحالة إلى المحكمة بغض النظر عن جنسية المتهمين أو مكان الجريمة، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لكن هذا السيناريو يبدو مستبعداً في ظل حق النقض (الفيتو) الذي تملكه الولايات المتحدة وروسيا والصين، مما يجعل المجلس أسيراً للتوازنات السياسية أما المسار الآخر، وإن كان محدود النطاق، فيتمثل في مبدأ "الولاية الإقليمية"؛ فإذا ثبت أن جزءاً من العمليات العسكرية، مثل التخطيط أو انطلاق الطائرات، تم من أراضي دول هي أطراف في المحكمة (كدول الخليج التي استُخدمت أراضيها أو أجواؤها)، فقد يُفتح نافذة قانونية ضيقة للتحقيق في تلك العناصر المحددة من الجرائم على الجانب الآخر من الأطلسي، تثير الضربات الأمريكية أزمة دستورية داخلية حادة، تتعلق بالصراع التاريخي بين سلطة الرئيس وسلطة الكونغرس في إعلان الحرب فالمادة الأولى من الدستور الأمريكي تمنح الكونغرس وحده سلطة إعلان الحرب، وقد نظم قانون سلطات الحرب هذا الأمر بإلزام الرئيس بإخطار الكونغرس خلال 48 ساعة من البدء بأعمال عدائية إلا أن التقارير تشير إلى أن الإخطار المقدم من الإدارة الأمريكية كان محدوداً ولم يتضمن المبرر القانوني الكامل أو تفاصيل عن طبيعة التهديد الوشيك الذي استدعى هذا التصعيد وقد دفع هذا الغموض أعضاء من الكونغرس، مثل السيناتور تشاك شومر والنائب توماس ماسي، إلى المطالبة بعقد جلسات طارئة والتصويت على قرارات لفرض قيود على السلطات الحربية للرئيس، معتبرين أن الضربات تمت دون تفويض وأن استمرارها يمثل تحدياً صريحاً للدستور كما وصفت النائبة سيدني كاملا غردوف الضربات بأنها "حرب دون تفويض" وجاءت "دافعاً واحداً" دون خطة واضحة لليوم التالي ورغم أن قرارات سحب القوات أو حظر التمويل تبدو محكومة بالفشل في مجلس الشيوخ بسبب غياب الأغلبية اللازمة لمواجهة حق النقض (الفيتو) الرئاسي ، إلا أنها تشكل سابقة خطيرة في تآكل دور الكونغرس وتحويل سلطة الحرب إلى قرار فردي بيد الرئيس وهكذا، تختبر أحداث 28 فبراير/شباط 2026 النظام القانوني العالمي من زاويتين متكاملتين الأولى دولية تسعى لتحقيق العدالة الجنائية عبر حدود السيادة، والثانية داخلية تناضل لاستعادة التوازن الدستوري بين سلطات الدولة ويبقى السؤال الأهم في عالم تسوده المصالح السياسية والاعتبارات الجيوسياسية، هل تنجح المؤسسات القضائية، سواء في لاهاي أو واشنطن، في النأي بنفسها عن ضغوط السياسة لتؤكد أن القانون، حتى في زمن الحرب، ليس مجرد صوت يصمت حين تدوي المدافع.

تعليقات