بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي
بعد عقود من الجمود والخضوع لمنطق الوصاية، ها هي السيادة العربية تستفيق من سباتها، وتلملم جراحها، وتعود بقوة إلى الميدان، ليس كشعارات ترفع في المناسبات، بل كقرارات تتخذ، ومواقف تعلن، وحضور فاعل يعيد تشكيل قواعد اللعبة الإقليمية والدولية لقد آن الأوان لتقول المنطقة كلمتها، بعد أن طال انتظارها في دهاليز البيروقراطية الدولية وغرف القرار المغلقة.
هذه العودة ليست وليدة الصدفة، بل هي تتويج لتراكمات سياسية واقتصادية واستراتيجية عميقة الجذور لقد أدركت الدول العربية، كل حسب موقعه وإمكانياته، أن الثمن الباهظ الذي دفعته على مدى السنوات الماضية، من عدم استقرار وتآكل للسيادة الوطنية وتدخلات خارجية سافرة في شؤونها، لم يأتِ إلا من فراغ ملأته قوى إقليمية ودولية لم تكن يوماً تضع المصلحة العربية على رأس أولوياتها كانت المنطقة مسرحاً مفتوحاً للمشاريع الخارجية، تتصارع فيه النفوذ على حساب الشعوب ومقدراتها، حتى تبلور الوعي الجديد بأن الاستقلال الحقيقي يبدأ بإرادة قوية قادرة على الفعل والتأثير.
تتجلى ملامح السيادة العربية العائدة في أكثر من مشهد فهي حاضرة في قدرة بعض الدول على تنويع شراكاتها الدولية، والخروج من عباءة القطب الواحد، وبناء علاقات متوازنة تقوم على الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على التبعية والإملاءات نراها في السعي الدؤوب لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي، وإحياء مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، وإزالة العوائق التي طالما أعاقت حركة التجارة والبشر، إيماناً بأن القوة الاقتصادية هي الركيزة الأساسية لأي سيادة حقيقية كما تتجلى في تعزيز القدرات العسكرية والدفاعية، والاعتماد على الذات في تأمين الأمن القومي، ورفع الجاهزية لمواجهة التحديات المشتركة، سواء كانت إرهاباً عابراً للحدود، أو تهديدات للأمن المائي والغذائي، أو محاولات للمساس بالثوابت الوطنية والقومية.
إن عودة السيادة العربية إلى الميدان تعني أيضاً استعادة الصوت العربي الموحد، ، في المحافل الدولية، والدفاع بثبات عن القضايا المركزية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تظل البوصلة الأخلاقية والسياسية للأمة إن الموقف العربي الرافض لتصفية القضية، والمطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، يعبر اليوم بصوت أكثر قوة ووضوحاً، مدعوماً بعلاقات دولية أوسع تمكنه من الضغط والتأثير السيادة تعني أيضاً أن تكون للمنطقة رؤيتها المستقلة في قضايا السلم والحرب في محيطها، وأن تسعى لحل أزماتها بنفسها، عبر آليات الجامعة العربية والتشاور الثنائي، بعيداً عن الوصاية أو الابتزاز السياسي.
لا شك أن هذا الطريق محفوف بالتحديات والعقبات، فقوى الاستئثار القديمة لا تزال تعمل على إفشال أي محاولة للتحرر من هيمنتها، والتحديات الداخلية من فساد وتفاوت تنموي وضعف مؤسسات لا تزال قائمة في بعض الأوطان لكن الفارق اليوم هو وجود إرادة سياسية عربية أكثر صلابة، وشعوب عربية أكثر وعياً وإدراكاً لحقيقة المؤامرات، وأكثر تمسكاً بحقها في حياة كريمة تحت ظل دولتها الوطنية القوية.
في النهاية، إن عودة السيادة العربية إلى الميدان هي رحلة استرداد الذات، واستعادة الثقة، وإعادة ترتيب البيت العربي من الداخل ليكون قادراً على التفاعل مع العالم من موقع القوة والتوازن، لا الضعف والانكفاء إنها إعلان بأن العرب، بعد كل ما مروا به من محن، لا يزالون قادرين على صناعة مستقبلهم بأنفسهم، وأن صوتهم سيبقى مسموعاً وحاضراً في الميدان، ميدان الفعل والتاريخ والقرار

تعليقات
إرسال تعليق