القائمة الرئيسية

الصفحات

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب: الصحوة الكبرى: كسر القيود الأمريكية وبناء قوة عربية مستقلة

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب: الصحوة الكبرى: كسر القيود الأمريكية وبناء قوة عربية مستقلة


في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، لم يعد مقبولًا أن يظل القرار العربي مرهونًا بإرادة الخارج، أو تابعًا لمعادلات تفرضها قوى كبرى تسعى بالأساس إلى حماية مصالحها لا مصالح شعوب المنطقة. لقد أثبتت التجارب أن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة لم يحقق الأمن المنشود، بل أوجد حالة من الارتهان السياسي والعسكري، وأضعف القدرة على بناء مشروع عربي مستقل قادر على حماية مقدرات الأمة وصياغة مستقبلها.

إن التبعية لم تعد مجرد علاقة عسكرية أو أمنية، بل تحولت إلى نمط شامل يمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا وصناعة القرار ذاته. وفي كل اختبار حقيقي تمر به المنطقة، يتضح أن أولويات القوى الكبرى لا تتطابق مع أولويات الدول العربية، وهو ما يفرض ضرورة مراجعة شاملة لطبيعة هذه العلاقة، والانتقال من موقع التلقي إلى موقع الفعل والتأثير.

إن التحرر من هذه القيود لا يعني الانعزال أو القطيعة، بل يعني إعادة بناء العلاقات الدولية على أساس الندية وتوازن المصالح. ويتطلب ذلك إرادة سياسية واعية تسعى إلى تنويع الشراكات الدولية، وبناء قاعدة اقتصادية وصناعية قادرة على دعم القرار السياسي، مع الاستثمار الحقيقي في التعليم والبحث العلمي بوصفهما المدخل الأساسي لأي نهضة مستقلة.

وفي قلب هذا التحول، يبرز خيار إنشاء قوة عربية وإسلامية مشتركة كأحد أهم الأدوات الاستراتيجية لتحقيق الاستقلال الحقيقي. فالتحديات التي تواجه المنطقة لم تعد محصورة داخل حدود دولة بعينها، بل أصبحت عابرة للحدود، تتشابك فيها الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية، ما يجعل الاستجابة الفردية عاجزة عن مواجهتها بفعالية.

إن فكرة القوة العربية والإسلامية المشتركة لا ينبغي أن تُفهم كتحالف عابر أو رد فعل مؤقت، بل كمشروع طويل الأمد يقوم على توحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء عقيدة دفاعية مشتركة تحمي الأمن القومي، مع تطوير قدرات عسكرية متكاملة تعتمد على التصنيع المشترك وتقليل الاعتماد على الخارج. كما أن وجود قيادة موحدة وآليات تنسيق فعالة من شأنه أن يعزز القدرة على التعامل مع الأزمات بسرعة وكفاءة، ويمنح هذا الكيان مصداقية حقيقية على الأرض.

ورغم ما يحيط بهذا المشروع من تحديات تتعلق بتباين المصالح واختلاف الأولويات والضغوط الخارجية، فإن التاريخ يؤكد أن الإرادة السياسية عندما تتوافر، تصبح قادرة على تجاوز أعقد العقبات. فالدول التي نجحت في بناء تكتلات قوية لم تكن بالضرورة متطابقة في كل شيء، لكنها أدركت أن ما يجمعها أكبر مما يفرقها، وأن المستقبل لا يُصنع إلا بالشراكة لا بالتبعية.

إن اللحظة الراهنة تمثل فرصة فارقة أمام العالم العربي، إما أن يستمر في دائرة الاعتماد والارتهان، أو أن ينخرط في مشروع نهضوي حقيقي يعيد إليه مكانته ودوره. ولم يعد الحديث عن قوة عربية وإسلامية مشتركة ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات الواقع ورهانات المستقبل، حيث لا مكان في عالم اليوم إلا للقادرين على امتلاك أدوات القوة وصياغة القرار المستقل.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات