على مدار سنوات طويلة جرى توجيه بوصلة الصراع فى الشرق الأوسط بعيداً عن جوهره الحقيقى. ففى كل مرة تشتعل فيها الأزمات، يجرى الحديث عن عناوين جديدة وصراعات جانبية، بينما يتم تجاهل القضية الأساسية التى ظلت لعقود طويلة تمثل مركز التوتر وعدم الاستقرار فى المنطقة.
لقد حاولت بعض القوى الدولية والإقليمية إعادة تشكيل خريطة الصراع فى الشرق الأوسط، بحيث يتحول الحديث من قضية الاحتلال والحقوق التاريخية للشعب الفلسطينى إلى صراعات نفوذ بين دول المنطقة. وفى خضم هذا التحول، جرى تقديم طهران باعتبارها التهديد الأكبر، بينما تم إبعاد الأنظار تدريجياً عن السياسات التى تصدر من تل أبيب، والتى كانت فى كثير من الأحيان سبباً مباشراً فى تأجيج الأزمات وتوسيع دائرة الصراع.
غير أن القراءة الموضوعية لتاريخ المنطقة تكشف بوضوح أن جذور التوتر لم تكن يوماً مرتبطة فقط بتوازنات القوى الإقليمية، بل ارتبطت أساساً باستمرار الصراع العربى-الإسرائيلى وما نتج عنه من احتلال وسياسات توسعية ورفض متكرر لمسارات التسوية العادلة.
إن تحويل الأنظار إلى صراعات أخرى لا يعنى أن المشكلة الأساسية قد اختفت، بل يعنى فقط أن الأزمة جرى تأجيلها أو إعادة تغليفها سياسياً. ولهذا ظلت المنطقة تعيش على وقع دورات متكررة من التصعيد والتوتر، لأن الأسباب الحقيقية للصراع لم يتم التعامل معها بجدية.
وفى السنوات الأخيرة ازداد المشهد تعقيداً مع صعود تيارات اليمين المتطرف داخل إسرائيل، والتى تبنت خطاباً أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين، وأغلقت عملياً كثيراً من المسارات السياسية التى كانت تمثل نافذة للأمل أمام أى تسوية مستقبلية. وقد تجلى ذلك بوضوح فى السياسات التى انتهجتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، والتى اتسمت بالتشدد ورفض أى حلول حقيقية تضمن حقوق الشعب الفلسطينى.
إن استمرار هذا النهج لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد استقرار المنطقة بأكملها، لأن السلام لا يمكن أن يقوم على موازين القوة وحدها، ولا يمكن أن يتحقق عبر تجاهل الحقوق المشروعة للشعوب.
ومن هنا فإن إعادة توجيه النقاش السياسى نحو جوهر الأزمة بات ضرورة حتمية، فالمسألة لم تعد مجرد صراع نفوذ إقليمى أو تنافس سياسى بين قوى متعددة، بل هى قضية تتعلق بالعدالة والاستقرار ومستقبل الشرق الأوسط بأكمله.
ويبقى السؤال المطروح أمام المجتمع الدولى: هل يستمر تدوير الصراعات حول عناوين فرعية، أم يأتى الوقت الذى يتم فيه التعامل مع جذور الأزمة الحقيقية؟
إن الإجابة الواضحة تكمن فى أن تحقيق السلام الدائم والعادل فى الشرق الأوسط لن يتحقق إلا من خلال تبنى تسوية سياسية عادلة تقوم على حل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، تعيش فى أمن وسلام إلى جانب إسرائيل. غير أن الوصول إلى هذا المسار يتطلب أيضاً تغيراً جوهرياً فى طبيعة السياسات داخل إسرائيل نفسها، والتخلص من نهج التطرف السياسى الذى عطل فرص السلام لسنوات طويلة.
فعندما تتوفر الإرادة السياسية الحقيقية، ويتم الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى، عندها فقط يمكن للشرق الأوسط أن يطوى صفحة الصراع، ويفتح صفحة جديدة عنوانها السلام العادل والاستقرار والتنمية لشعوب المنطقة كافة.

تعليقات
إرسال تعليق