بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا يا عباد الله أن الله لم يخلقكم عبثا ولن يترككم سدا، وإنما خلقكم لحكمة بالغة وشرع لكم شرائع كاملة، ليبلوكم أيكم أحسن عملا، خلقكم وسترجعون إليه، وشرع لكم الدين وستحاسبون عليه، فاستعدوا للقاء ربكم، وأعدوا الجواب عما سيسألكم، أما بعد لقد ضرب نبينا المصطفي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في هذا الباب فيتجلى عفو الرسول صلى الله عليه وسلم حينما ذهب إلى الطائف ليدعو أهلها إلى الإسلام، ولكن أهلها رفضوا دعوته، وسلطوا عليه صبيانهم وعبيدهم وسفهاءهم يؤذونه صلى الله عليه وسلم هو ورفيقه زيد بن حارثة رضي الله عنه، ويقذفونهما بالحجارة حتى سال الدم من قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال، واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في هدم الجبال على هؤلاء المشركين، لكن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنهم.
وقال لملك الجبال " لا بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئا" متفق عليه، ومع ما فعل قومه به من الأذى والتشريد ومحاولة القتل والحروب المتعددة فقد مكنه الله تعالى منهم يوم الفتح الأكبر فدخل صلى الله عليه وسلم الكعبة وتجول في نواحيها وكبر وصلى ركعتين ثم خرج وقد إحتشدت قريش في المسجد الحرام تنتظر الأمر منه صلى الله عليه وسلم وتترقب نزول العقاب، فاخذ بعضدتي الباب وقام فخطب خطبة بليغة بيّن فيها كثيرا من الأحكام ثم قال صلى الله عليه وسلم "يا معشر قريش ماذا ترون إني فاعل بكم" قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال صلى الله عليه وسلم "لا تثريب عليكم اذهبوا فأنتم الطلقاء" لا إله إلا الله أي قلب أنقى وأطهر من هذا القلب صلوات ربي وسلامه عليه، ومن موقف العفو هو موقف أبي سفيان بن حرب.
حيث أنه لا يقل عجبا من موقف عبد الله بن أبي بن سلول، فمع ما لقيه منه من الأذى يأتي يوم الفتح إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيقول اشفع لي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأبى وشدد في الكلام، فأتى الإمام علي رضي الله عنه فامتنع فقال أشر علي قال ادخل عليه وقل تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنّا لخاطئين، ففعل ولما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك قال "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين" وإعلموا أن من عفو رسول الله صلى الله عليه وسلم هو موقفه مع عبد الله بن أبي رأس المنافقين الذي قال في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين في غزوة المريسيع عند المشلل ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قال الأول سمّن كلبك يأكلك.
يقول هذا في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول أيضا ظانا أن خزائن السماوات والأرض بيده " لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتي ينفضوا " ويقول أنتم الذين آويتموهم وأطعمتموهم فلا تنفقوا عليهم من أجل أن يتفرقوا عن بلادكم عن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبحثوا عن بلد آخر تؤويهم، ثم قذف النبي صلى الله عليه في عرضه في قصة الأفك ولم يترك سبلا في أذية الرسول صلى الله عليه إلا سلكه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما مات ذهب إلى قبره، وأعطى ابنه قميصه صلى الله عليه وسلم ليكفن به، وقام على قبره يستغفر له حتى نهاه الله عز وجل عن ذلك، ولما نهاه الله بقوله " إن تستغفر لهم سبعين مره فلن يغفر الله لهم " ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر لهم لفعلت" أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
وهذا في رجل لطالما آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآذى المؤمنين، فهو الذي أفك الإفك وسعى به، وتولى كبره، واتهم عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبشع تهمة وقال أقبح القول، ومع ذلك يعفو عنه النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي عليه، ويدفع قميصه لابنه ليكفن به، ثم يقوم على قبره يستغفر له، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم حاله، وهذا لا يفعله إلا القلوب الرحيمة الكبيرة الواسعة، وليس معنى ذلك تمييع قضية الولاء والبراء فهي أصل ثابت، لكن ينبغي أن نفرق بين أمرين بين شأن الولاء والبراء وبين حظ النفس، فالولاء والبراء ثابت في القلب، وأما النفس فدعها خلف ظهرك ولا تنتصر لها ولا تقف عندها فالكبار لا يليق بهم أن يدوروا حول أنفسهم.

تعليقات
إرسال تعليق