الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في انفراد خاص يزداد سخونة مع كل ساعة تمر، يواصل اسم الفنان باهر النويهي تصدر المشهد بعد أول تجربة غنائية له، لكن هذه المرة لم يعد الحديث فقط عن موهبة ممثل قرر أن يغني، بل عن حالة جماهيرية متصاعدة تكشف بوضوح أن ما حدث لم يكن مجرد صدفة عابرة، بل شرارة أشعلت نقاشًا واسعًا حول معنى النجاح، ودور الجمهور في صناعته، وحدود تأثيره في إنقاذ موهبة قد تكون على حافة الضياع.
منذ اللحظة الأولى لطرح التجربة، انفجرت مواقع التواصل الاجتماعي بتفاعل لافت، لم يقتصر على الإعجاب التقليدي، بل امتد إلى حالة جدل حقيقية، حيث انقسم الجمهور بين من رأى في باهر النويهي صوتًا يحمل صدقًا مختلفًا يستحق الدعم، وبين من تعامل مع التجربة بحذر، معتبرًا أنها خطوة تحتاج إلى وقت لإثبات نفسها، لكن المثير أن الطرفين اتفقا على نقطة واحدة: أن ما حدث لا يمكن تجاهله.
ففي تفاعل الجمهور أنه جاء عفويًا وغير موجه، فخلال ساعات تحولت مقاطع الأغنية إلى مادة متداولة بشكل واسع، وبدأ المستخدمون في إعادة نشرها والتعليق عليها، بل وتحليل الأداء والإحساس، وهي حالة نادرة تعكس أن الجمهور لم يعد يكتفي بالاستهلاك، بل أصبح ناقدًا وشريكًا في تشكيل الرأي العام الفني، وهو ما منح باهر النويهي دفعة قوية في بداية مشواره الغنائي.
ولم يتوقف التفاعل عند حدود الإشادة، بل ظهرت موجة دعم صريحة تطالب بضرورة احتضان هذه الموهبة وعدم تركها تواجه مصيرًا مجهولًا، حيث امتلأت التعليقات بعبارات تحمل نوعًا من القلق، وكأن الجمهور نفسه يخشى أن تتكرر القصة المعتادة: موهبة تظهر بقوة ثم تختفي تدريجيًا بسبب غياب الدعم أو تجاهل صناع القرار.
في المقابل، برز جانب آخر من التفاعل لا يقل أهمية، وهو الجدل النقدي، حيث لم يتردد البعض في طرح تساؤلات حادة حول قدرة باهر النويهي على الاستمرار، وهل ما قدمه هو بداية حقيقية أم مجرد لحظة موفقة؟، ورغم أن هذا الطرح قد يبدو قاسيًا، إلا أنه يعكس في الحقيقة اهتمامًا حقيقيًا، لأن التجارب التي تمر دون نقاش غالبًا ما تكون بلا تأثير.
هذه الحالة من التفاعل المتباين صنعت ما يمكن وصفه بـ”الزخم الحقيقي”، وهو أخطر وأهم من أي حملة دعائية، لأنه قائم على قناعة الجمهور لا على الترويج، وهو ما يضع باهر النويهي أمام فرصة ذهبية، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية ثقيلة، لأن الحفاظ على هذا الزخم أصعب بكثير من صناعته.
ومن زاوية أعمق، يكشف هذا التفاعل عن تحول مهم في علاقة الجمهور بالفن، حيث لم يعد ينتظر ما يُقدم له فقط، بل أصبح يبحث ويكتشف ويدعم، بل ويدافع أحيانًا عن المواهب التي يرى فيها صدقًا حقيقيًا، وهو ما قد يغير قواعد اللعبة داخل الوسط الفني، إذا تم استثماره بشكل صحيح.
لكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يكفي دعم الجمهور وحده لصناعة نجم؟ أم أن الأمر يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من الإنتاج ولا تنتهي عند التسويق؟، لأن التجارب السابقة أثبتت أن الحماس الجماهيري قد يخفت إذا لم يجد ما يغذيه من أعمال قوية ومتجددة.
باهر النويهي الآن يقف في نقطة فارقة، ليس فقط لأنه خاض تجربة غنائية ناجحة في بدايتها، بل لأنه أصبح محور اهتمام حقيقي، وجزءًا من نقاش أكبر حول مستقبل المواهب المختلفة، وهو ما يمنحه فرصة نادرة قد لا تتكرر كثيرًا.
إن ما يحدث مع باهر النويهي يتجاوز حدود تجربة فردية، ليصل إلى كونه اختبارًا حقيقيًا للجمهور والوسط الفني معًا، فإما أن يتحول هذا التفاعل إلى قوة تدفعه للأمام وتمنحه المساحة التي يستحقها، أو يظل مجرد ضجيج مؤقت يختفي مع الوقت، تاركًا وراءه سؤالًا يتكرر دائمًا دون إجابة: لماذا نتحمس للمواهب ثم نتركها وحدها في منتصف الطريق؟

تعليقات
إرسال تعليق