إبراهيم عمران
في بعض البيئات المهنية، لا سيما تلك التي يفترض أنها تقوم على العلم والرصانة، تظهر نماذج إنسانية تثير الدهشة أكثر مما تثير الاحترام. نماذج لا تتصالح مع العمر، ولا تعترف بقوانين النضج، بل تصر على العيش داخل صورة صنعتها لنفسها، حتى وإن كانت تلك الصورة قائمة على الوهم. من بين هذه النماذج ما يمكن تسميته بـ«الدكتور المتصابي»؛ شخصية تجاوزت الستين زمنًا، لكنها لم تتجاوز مرحلة إثبات الذات نفسيًا.
هذا النموذج لا يرى في العمر خبرة تُحتَرم، بل عبئًا يحاول الهروب منه. ينكر سنواته، ويتعامل مع من حوله بعقلية الباحث عن الإعجاب لا الباحث عن المعرفة. يحيط نفسه بهالة مصطنعة من النفوذ، فيتحدث باستمرار عن علاقات قوية، واتصالات نافذة، وفرص عمل قادرة — كما يدّعي — على تغيير مستقبل من يقترب منه. لكن مع مرور الوقت، يتضح أن هذه الوعود غالبًا بلا مضمون حقيقي، وأن الهدف ليس التعاون المهني بقدر ما هو بناء شبكة علاقات شخصية ملتبسة.
اللافت أن دائرة اهتمامه لا تتجه نحو العمل الأكاديمي بقدر ما تتركز حول جمع الدكتورة تلو الأخرى في محيطه. بعضهن يدخلن هذه الدائرة بإرادتهن، ربما لأنهن يجدن في هذا النمط انعكاسًا لرغبات مشابهة، أو بحثًا عن حضور اجتماعي سريع. وأخريات تدفعهن فجوات عاطفية أو شعور داخلي بالحاجة إلى التقدير، فيقعن تحت تأثير خطاب الإطراء والاهتمام المبالغ فيه، الذي يتقنه هذا النوع من الشخصيات.
يعتمد «المتصابي» على أدوات نفسية معروفة: الإيهام بالقرب من السلطة، صناعة الانبهار، وتوزيع الوعود المؤجلة. يخلق شعورًا زائفًا بالتميز لدى من يقتربن منه، وكأن العلاقة معه بوابة لفرص استثنائية. ومع الوقت، تتحول هذه العلاقات إلى مساحة رمادية تختلط فيها المهنية بالشخصي، ويصبح اللقب العلمي مجرد ستار يمنح الممارسات المشبوهة شرعية شكلية.
المفارقة المؤلمة أن الجميع يكون على دراية بسمعته؛ علاقات متعددة، ووعود لا تتحقق، وحكايات تتكرر بأسماء مختلفة. ومع ذلك يستمر المشهد، لأن بعض الأطراف تقبل اللعبة ذاتها، مدفوعة برغبة في الشعور بأنها مرغوبة أو مؤثرة، حتى لو كان الثمن صورتها أمام المجتمع أو احترامها المهني.
ولعل المثل الشعبي القديم «الطيور على أشكالها تقع» يلخص جانبًا من المشهد؛ إذ لا تستمر هذه العلاقات إلا عندما يلتقي الوهم بوهم آخر. فالمتصابي يبحث عن الإعجاب الدائم، وبعض من ينجذبن إليه يبحثن عن إثبات ذات سريع أو تعويض عاطفي مؤقت، فتتشكل دائرة مغلقة يصعب كسرها.
القضية هنا ليست عمرًا بيولوجيًا ولا حرية شخصية، بل مسؤولية أخلاقية ترتبط بالمكانة الأكاديمية. فحين يتحول الأستاذ إلى صانع أوهام، تتضرر صورة المؤسسة العلمية نفسها، ويتراجع الخط الفاصل بين الاحترام المهني والاستغلال النفسي.
في النهاية، لا تكشف هذه الظاهرة ضعف الأفراد فقط، بل تكشف أيضًا حاجة المؤسسات إلى تعزيز ثقافة المهنية والشفافية، حيث يصبح الإنجاز الحقيقي هو معيار المكانة، لا الضجيج الاجتماعي ولا العلاقات العابرة. فالعلم يبقى حين يسقط الوهم، والاحترام الحقيقي لا يُصنع بالإيهام، بل بالسلوك الذي يليق بمن
يحمل لقب «دكتور».

تعليقات
إرسال تعليق