القائمة الرئيسية

الصفحات

المحرقة الإقليمية: هل تكسر "حرب الاستنزاف" قواعد الاشتباك في الخليج؟



بقلم: أحمد عادل

باحث في الشؤون الجيوسياسية والإستراتيجية


تُطل منطقة الخليج العربي اليوم على مشهد لم تألفه الحسابات السياسية منذ عقود؛ فبينما كانت التقديرات تشير إلى "ضربة خاطفة" تنهي طموحات طهران، تحولت عملية "الغضب الملحمي" الأمريكية-الإسرائيلية إلى صراع استنزاف مفتوح يضع "الأمن القومي العالمي" في مواجهة مباشرة مع سيناريوهات كارثية. فبعد أسبوع من تصفية الرأس القيادي للنظام الإيراني، لم ينهر "البنيان الاستراتيجي" لطهران كما كان متوقعاً، بل دخلنا في طور "حرب الإرادات" حيث لا تُقاس القوة بعدد الطائرات، بل بالقدرة على تحمل الألم الاقتصادي والميداني.

التفوق العملياتي مقابل الصمود الهيكلي

على الصعيد العسكري، حققت واشنطن ما يمكن تسميته بـ "السيادة الجوية المطلقة". لقد نجح القصف الاستراتيجي في تجريد إيران من مفاصل قوتها التقليدية وقطع خطوط الإمداد الحيوية. ومع ذلك، يبرز هنا لغز جيوسياسي: كيف لنظام "مقطوع الرأس" أن يدير معركة بهذا التعقيد؟

تُشير القراءة الاستراتيجية إلى أن طهران فعلت بروتوكول "القيادة الموزعة"، حيث أثبتت "القبضة الحديدية" الداخلية تماسكاً أمنياً حال دون حدوث تفكك في سلسلة القيادة. الأخطر من ذلك هو نجاح إيران في تحويل "الدفاع" إلى "هجوم مضاد" عطل الحياة في العمق الإسرائيلي، مستخدمةً استراتيجية "الإغراق الصاروخي" لاستنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الحلفاء، وهي استراتيجية تعتمد على كم المقذوفات مقابل جودتها.

المأزق الاستراتيجي: تدويل الأزمة واستهداف الخليج

في محاولة لكسر طوق العزلة، ارتكبت طهران ما يمكن وصفه بـ "الخطيئة الاستراتيجية الكبرى" عبر نقل الصراع إلى دول الخليج العربية. هذا التوجه العدواني ضد منشآت الطاقة الخليجية ليس مجرد رد فعل عسكري، بل هو محاولة بائسة لرفع كلفة الحرب على المجتمع الدولي وإجبار واشنطن على التراجع تحت ضغط أسواق الطاقة.

إلا أن هذا السلوك جاء بنتائج عكسية؛ فقد عزز من شرعية الموقف الخليجي "المحايد والوازن"، وأثبت للعالم أن طهران باتت طرفاً يهدد الاستقرار الكلي دون امتلاك رؤية سياسية للخروج من الأزمة، مما عمق عزلتها حتى في الأوساط التي كانت تدعو لمهادنتها.

معضلة ترامب ونتنياهو: الطريق نحو "خيار شمشون"

تجد إدارة ترامب نفسها اليوم بين فكي كماشة؛ فمن جهة، تضغط التكاليف اللوجستية الباهظة وحاجة الأساطيل للاستبدال الدوري (مثل الحاملة جيرالد فورد) على الميزانية الأمريكية، ومن جهة أخرى، يرفض الحلفاء الأوروبيون تمويل حرب لا يرون لها نهاية واضحة.

هذا الانسداد الميداني والمالي يرفع من وتيرة القلق حيال سلوك نتنياهو. فمع اقتراب شهر أبريل دون تحقيق "الاستسلام الكامل" لإيران، يبرز شبح "الخيار النووي التكتيكي" كأداة لإجبار طهران على الخضوع. إنها لحظة "خيار شمشون"، حيث قد يرى الطرف الإسرائيلي أن كلفة استخدام سلاح غير تقليدي أقل من كلفة الهزيمة في حرب استنزاف طويلة تستنزف الموارد البشرية والمالية للدولة العبرية.

الحكمة الخليجية كصمام أمان جيوسياسي

وسط هذا المشهد الضبابي، يظل الموقف الخليجي هو "نقطة الارتكاز" العاقلة. إن الإصرار على النأي بالنفس عن الدخول في مغامرة عسكرية ضد إيران، رغم الاستفزازات، يعكس وعياً استراتيجياً بضرورة الحفاظ على "البنية التحتية للحياة" في المنطقة. دول الخليج اليوم لا تحمي حدودها فحسب، بل تحمي آخر ممرات الدبلوماسية الممكنة في عالم يندفع نحو حافة الهاوية.

في النهاية: الحرب الحالية لم تعد صراعاً على نفوذ، بل أصبحت صراعاً على "البقاء الاستراتيجي". ومع دخول إمدادات النفط والغاز العالمية نفقاً مظلماً نتيجة إغلاق مضيق هرمز، فإن الحسم لن يكون عبر فوهات المدافع فقط، بل عبر من يمتلك النفس الأطول في تحمل الانهيار الاقتصادي. سيبقى السؤال: هل يغلب منطق "السلام الاضطراري" أم ننتظر انفجاراً نووياً يغير خارطة الشرق الأوسط للأبد؟

تعليقات