محمود سعيد برغش
في تلك الليلة، كانت الساعة تقترب من منتصف الليل… المستشفى شبه هادئ من الخارج، لكنه في الداخل كان يشبه قلبًا يخفق بألف نبضة في الدقيقة. أصوات الأجهزة، خطوات الممرضين، أوجاع المرضى، وعيون تنتظر كلمة: "اطمئنوا".
دخلت سيارة الإسعاف مسرعة… نزل منها رجل خمسيني، وجهه متعب، تمسك به زوجته وكأنها تخاف أن يضيع منها. قال رجل الإسعاف: "ألم في الصدر… ضغط منخفض… الحالة طارئة."
أسرع الطبيب… والزوجة تبكي: "يا رب… ده سندي… ده أبو عيالي."
مرّت دقائق ثقيلة… جاء الابن الأكبر هو متعب من شده قلقه … أمسك قدم أبيه وقبّلها. أما الابن الثاني فاتصل: "أنا في الشغل… مش عارف أجي… عندي شغل."
نظرت الأم إلى الهاتف… وسكتت.
وفي السرير المجاور… امرأة مسنّة لا أحد معها.
سألت: "حد سأل عليا؟"
لكن الطريق كان طويلًا… ولم يأتِ أحد.
وفي زاوية أخرى… شاب أصيب في حادث… أصدقاؤه حوله… "إحنا إخوات يا عم… مش أصحاب بس."
ابتسم رغم الألم.
مرّت الساعات… تحسّن الرجل… أما المرأة المسنّة… فأغمضت عينيها بهدوء… لم يكن المرض وحده مؤلمًا… بل الوحدة أيضًا.
طلعت الشمس…
لكن بقي السؤال:
من يسأل عن المريض؟
ومن يقول: الدنيا أخذتني؟
القرآن الكريم يأمر ببر الوالدين وصلة الأرحام قال الله تعالى: "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا"
(سورة الإسراء: 23)
وقال سبحانه: "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى" (سورة النساء: 36)
وقال أيضًا في صلة الرحم: "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ" (سورة النساء: 1)
فالقرآن يربط الإيمان بالله مباشرة بالإحسان إلى الوالدين والأقارب، وخاصة عند الضعف والمرض.
قال رسول الله ﷺ: "من عاد مريضًا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع" (رواه مسلم)
وقال ﷺ: "حق المسلم على المسلم خمس… وذكر منها: عيادة المريض" (متفق عليه)
وقال ﷺ: "إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني…" (رواه مسلم)
أي أن عيادة المريض عبادة عظيمة، ومن يتركها يضيّع أجرًا كبيرًا.
وكان رأي الصحابة رضي الله عنهم كان الصحابة يتسابقون لعيادة المرضى.
فقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يعود المرضى حتى لو كانوا من عامة الناس.
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "من عاد مريضًا، ناداه منادٍ من السماء: طبت وطاب ممشاك."
وكانوا يرون أن زيارة المريض ليست مجاملة، بل واجب إنساني وإيماني.
انا الخلفاء الراشدون فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخرج ليلًا ليتفقد المرضى والفقراء بنفسه.
وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزور امرأة عجوزًا عمياء ويخدمها دون أن تعرف أنه الخليفة.
وهذا يدل أن المسؤولية تجاه المريض لا تسقط بالمشاغل.
أما أقوال العلماء والفقهاء فقال الإمام النووي:
"عيادة المريض سنة مؤكدة، وفيها تطييب لنفسه وإدخال السرور عليه."
وقال الإمام ابن حجر: "في عيادة المريض جبر للقلب، وهو من أعظم أبواب الإحسان."
وقال الإمام الشافعي: "الزيارة للمريض تذكير بالآخرة ورحمة بالخلق."
أما عن السلف الصالح
كان الحسن البصري يقول: "عيادة المريض من تمام المروءة."
وقال سعيد بن المسيب: "من لم يسأل عن أخيه المريض فقد قصّر في حق الأخوة."
المرض يكشف الحقيقة… يكشف من يحب… ومن انشغل.
يكشف من يأتي مسرعًا… ومن يعتذر بالدنيا.
فالدواء قد يُشترى… لكن السؤال عن المريض… لا يُشترى.
وقد قال النبي ﷺ: "الراحمون يرحمهم الرحمن."
فمن أراد رحمة الله… فليكن أول الواصلين… إذا مرض الأب… أو الأم… أو الأخ… أو الصديق.
لأن بعض القلوب… لا تحتاج دواء… بل تحتاج فقط أن تسمع:
"أنا معك."

تعليقات
إرسال تعليق