بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا يرحمكم الله أن من فضائل هذه الأمة أن الله أعطاها في كل سنة، فى كل رمضان، فى هذه العشر يوما فيه ليلة العبادة فيها تفوق العبادة فى ثلاث وثمانين سنة، فعندك فى كل ليلة قدر من كل سنة تمر بك في عمرك عبادة إنسان مُعمّر بهذه السنوات الطويلة كأنك عبدت الله فى ثلاث وثمانين سنة، كل سنة من السنوات، فتأمل فضل الله على هذه الأمة، وهوسبحانه وتعالى ذو الفضل العظيم، وفي هذه السنة تنقل مقادير الخلائق من الأرزاق، والآجال من اللوح المحفوظ، إلى صحف الملائكة، تفصل المقادير من اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه الأقدار قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وفى ليلة القدر من كل عام تفصل أقدار كل سنة من اللوح المحفوظ إلى صحف الملائكة لتقوم بإنفاذها، فترى شخصا يمشى فى الأرض، وهو مكتوب في هذه السنة من الأموات، وما يقدر الله كل سنة من خير.
ورزق، وصحة، ومرض، وحياة، وموت، وولد، ونحو ذلك من الأقدار كله في هذه الليلة ينقل إلى صحف الملائكة فهنيئا لمن أصاب ليلة القدر فسأل الله خيره، وسأل الله فضله، فقال الإمام النووى رحمه الله ليلة القدر مختصة بهذه الأمة زادها الله شرفا فلم تكن لمن قبلها، ما أدركها داع إلا وظفر، ولا سأل فيها سائل إلا أعطي، ولا استجار فيها مستجير إلا أجير، وكان السلف رحمهم الله يستحبون الإكثار من الدعاء تلك الليلة، وقال الشافعى رحمه الله "أستحب أن يكون اجتهاده فى نهارها كاجتهاده فى ليلها" وجاء في فضل قيام ليلة القدر، أن هذه الليلة سمحة، طلقة، بلجة، منيرة، معتدلة، تطلع الشمس فى صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها، سالمة من الشيطان والعذاب، سلام هى حتى مطلع الفجر، تتنزل الملائكة فيها إلى الأرض أكثر مما تتنزل في بقية أيام السنة، حتى تكون في هذه الليلة أكثر من عدد الحصى على هذه الأرض.
يكثر فيها من قول "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفوا عنى" ومن قامها إيمانا بثوابها، وفضلها، واحتسابا للأجر الوارد فيها غفر له ما تقدم من ذنبه، فيجمع العبد بين التصديق بالوعد، والطلب للأجر ليحصل له هذا، فالأعمال الصالحة لا تقبل إلا مع الاحتساب، وصدق النيات، وهذه الليلة من الليالى ينبغي أن تتحرى، وقد أخفاها الله تعالى لنجتهد في العبادة في كل ليالى العشر، لعل العبد أن يصيبها، فمما ينافى الحكمة الإلهية في إخفاء ليلة القدر، بأنه جزم بعض الناس بأنها ليلة كذا، فيصيب بعض الناس من الإحباط ما يصيبهم، ويقعد بعضهم عن العبادة فيما بقي، والاجتهاد لأجل رأى أطلقها شخص فى رسالة، فإذا كان الشرع أخفاها فأنت تسير مع مراد الشرع في الإخفاء، ولأن العبد إذا وافق حكمة ربه، فتأمل ماذا يريد الله من وراء هذه الأوامر، والنواهي، والنصوص، والتشريعات، فسار على وفق مراد الله.
وحقق حكمة الله، فإنه من أولي الأبصار والألباب، وكذلك يكون من الأخيار الذين أراد الله بهم خيرا بالفقه في دينه، ومن أشهر ما يفعل في هذه الليلة هو القيام، وقد اعتكف النبى الكريم صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر كلها لإصابة ليلة القدر لأن من اعتكف العشر الأواخر، وقام في كل ليلة منها وهو يدعو فإنه بالتأكيد سيصيبها، والنبى الكريم صلى الله عليه وسلم كان يقوم حتى تتورم قدماه كما قال الله فى كتابه العزيز " كانوا قليلا من الليل ما يهجعون" وكان السلف يسيرون على هذا المنوال، يقومون ليلهم، ويخفون دعائهم، فقال تعالى " إذ نادى ربه نداء خفيا" وكان ظمأ الهواجر، يعنى العطش فى الصيام لأجل حر النهار، وألم الأرجل فى الليل من طول القيام هو أشهى ما عند العابدين، والذي يرغبهم في البقاء في الدنيا، وليس كثرة الأموال، ولا السعي في الاستثمارات، ولا الضرب في السياحات.
وإنما هو ظمأ الهواجر، وقيام الليل، ومن أطال قيام الليل هون الله عليه وقوف يوم القيامة كما قال الأوزاعي رحمه الله لأن يوم الدين فيه وقفة طويلة جدا لأنه في الطول خمسين ألف سنة، الناس واقفون على أقدامهم، لا قاعد، ولا مضطجع، ولا متكئ، وإنما هم قيام كما قال الله تعالى" يوم يقوم الناس لرب العالمين" ويشتد الحر على الناس لأمور ثلاثة هو الزحام، فليس للإنسان إلا موضع قدميه، ودنو الشمس قدر ميل من رؤوس العباد، وتقريب جهنم فقال تعالى " وجيء يومئذ بجهنم " تجرها الملائكة، فيأخذ الناس من العرق والكرب ما الله به عليم، ويذهبون يطوفون على الأنبياء ليطلبوا منهم التدخل عند الله لفصل القضاء، فينالها الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم صاحب المقام المحمود.

تعليقات
إرسال تعليق