القائمة الرئيسية

الصفحات

إنسانية تحت التصوير

بقلم راندا أبو النجا


بين الكاميرا والإنقاذ أين اختفت إنسانيتنا

لم نعد ننقذ الضحايا بل نتسابق على نشر وجعهم

لم يعد الألم كما كان لحظة إنسانية تستدعي الرحمة، أو صرخة تستنفر الضمير.

بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى محتوى يُلتقط، ويُعاد نشره، ويُستهلك كأي مادة عابرة على الشاشات

نقف أمام مشهد قاسٍ حادث، طفل يبكي، إنسان يُهان، أو روح تُسحق تحت وطأة العنف

لكن بدل أن تمتد يدٌ للنجدة، تمتد يدٌ أخرى للهاتف.

تُفتح الكاميرا ويبدأ التسجيل.

لماذا هل لنوثّق أم لنُثبت أننا كنا هناك أم لأن الألم لم يعد يُحرك فينا سوى فضولٍ بارد يريد أن يرى أكثر، لا أن يفعل شيئًا

الأخطر من التصوير هو الإعتياد.

حين يصبح المشهد المؤلم مألوفًا، يفقد تأثيره تدريجيًا

يتحول من كارثة إلى مقطع ومن إنسان إلى حالة ومن صرخة إستغاثة إلى تريند

وهنا، لا يموت الضحية وحده يموت شيء فينا نحن أيضًا.

لقد خُلق الإنسان بغريزة الرحمة، لتكون رد الفعل الأول أمام الألم.

لكن يبدو أننا دون أن نشعر أعدنا برمجة أنفسنا:

أصبحنا نُشاهد أولًا نشعر لاحقًا وقد لا نشعر أبدًا.

هل صرنا نخاف التدخل أم نبحث عن دورٍ أسهل دور المتفرج

في عالمٍ يُكافئ الإنتشار، صار البعض يرى في المأساة فرصة

مشاهدات أكثر، تفاعل أكبر حضور أقوى

حتى لو كان الثمن كرامة إنسان، أو لحظة ضعف كان يجب أن تُصان لا تُنشر.

لكن الحقيقة القاسية أن الكاميرا لا تُنقذ أحدًا.

الإنقاذ فعل. قرار. مخاطرة أحيانًا لكنها ما يُعيد لنا إنسانيتنا

فهل ما زال فينا ما يكفي لنختار الفعل بدل المشاهدة

هل يمكن أن نتوقف لحظة قبل أن نضغط تسجيل ونسأل أنفسنا:

ماذا لو كنت أنا في هذا المشهد هل كنت سأحتاج كاميرا أم يدًا تُنقذني

في النهاية المسألة لم تعد مجرد تصوير أو نشر بل إختبار حقيقي لإنسانيتنا.

إما أن نكون شهود رحمة أو شهود صامتين على إنهيارها.

فكل مرة نختار فيها الكاميرا بدل اليد، والمشاهدة بدل الإنقاذ نحن لا نوثّق الألم فقط، بل نُساهم ولو بصمت في إستمراره.

الإنسان لا يُقاس بما يراه بل بما يفعله حين يرى.

فإما أن نعيد للألم قدسيته، وللإنسان كرامته أو نواصل السقوط، حتى نصبح نحن أنفسنا مجرد مشهد لا يلتفت إليه أحد.

تعليقات