القائمة الرئيسية

الصفحات

القرآن الكريم… إعجاز لا تنقضي عجائبه ولا يبلغ مداه بيان الكتابة

 



بقلم الدكتورة سمر إبراهيم مدرس البلاغة والنقد بجامعة الأزهر 


يظل القرآن الكريم عبر العصور كتابًا تتجدد دلالاته وتتسع آفاق إعجازه، حتى يعجز الباحثون عن حصر صوره أو الإحاطة بأسراره، فهو النص الإلهي الذي لا ينقطع عطاؤه ولا تنفد عجائبه، والبيان الذي توقفت أمامه وجوه الفصاحة وأعلام البلاغة وأساطين البيان، إذ وجدوا في أسلوبه الماتع ونظمه المحكم وبيانه الخالد ما يتجاوز قدرة البشر على المحاكاة أو المعارضة.

ويتجلى إعجاز القرآن الكريم في مستويات متعددة؛ فهو معجز ببلاغته ولفظه ونظمه، كما يتجلى الإعجاز في حروفه وكلماته، وفي حركاته وسكناته، وفي معانيه وأحكامه وتوجيهاته التي جمعت بين القوة والرحمة، وبين الحزم والسماحة، وبين التشريع والأخلاق في توازن دقيق لم تعرفه نصوص البشر. ولم يقف هذا الإعجاز عند حدود البيان اللغوي، بل امتد ليشمل الإخبار بالغيب، حيث نطق الواقع بصدق ما أخبر به القرآن، حتى إن المشركين الذين نزلت فيهم الآيات لم يستطيعوا معارضته أو نقض ما صدر بحقهم، ولو على سبيل الادعاء، فلم يجدوا إلا الإذعان أمام قوة الحجة وصدق الخبر، كما أشار إلى ذلك الشيخ محمد عبد الله دراز.


ومن وجوه الإعجاز كذلك ما كشف عنه القرآن من حقائق كونية وعلمية شهد بها الكون عبر الأزمنة، ولا يزال العلم الحديث يكتشف جوانب جديدة منها، في صورة تؤكد اتساق النص القرآني مع سنن الوجود وقوانينه، بما يعزز الإيمان بأن هذا الكتاب سابق لزمانه ومتجاوز لحدود المعرفة البشرية في عصر نزوله.


ويبرز جانب آخر دقيق من الإعجاز في رسم الكلمة القرآنية في المصحف الشريف، حيث لم يأتِ الرسم اعتباطًا، بل جاء موافقًا للمعنى والسياق والغرض البلاغي للآية. فقد تُزاد حروف أو تُحذف أخرى بما يخدم الدلالة ويعزز الإيحاء، فيتحول شكل الكلمة ذاته إلى عنصر تعبيري يحمل معنى إضافيًا. ومن أمثلة ذلك اختلاف رسم بعض الكلمات بين المد والحذف، إذ يشير حذف الحرف أحيانًا إلى السرعة أو الاختصار، بينما يدل إثباته على الامتداد والسعة بما يتلاءم مع مضمون السياق القرآني.


ويُستشهد في هذا الباب بما ورد حول رسم بعض الألفاظ القرآنية التي جاء حذف بعض حروفها إيحاءً بدلالات معنوية، مثل ما قيل في رسم كلمة الليل بما يوحي بسرعة انقضائه مقارنة بالنهار الذي ارتبط في القرآن بالسعي والعمل والحركة، فجاء رسمه متناسبًا مع الامتداد الزمني والدلالي. كما تناولت دراسات معاصرة هذا الجانب، ومن بينها كتاب «إعجاز رسم القرآن وإعجاز التلاوة» للدكتور محمد شملول، الذي عرض نماذج متعددة توضح العلاقة بين الرسم القرآني والدلالة البلاغية.


ويمتد هذا التصور إلى كلمات أخرى في القرآن الكريم، حيث يُفهم الحذف أو الاختصار في الرسم على أنه توجيه معنوي ينسجم مع المقصد التشريعي أو الأخلاقي، في رسالة بيانية دقيقة تُظهر كيف يجمع القرآن بين اللفظ والمعنى والرسم في منظومة واحدة متكاملة. ومن ذلك ما ذهب إليه بعض الباحثين في تفسير رسم بعض الألفاظ المرتبطة بالعلاقات الاجتماعية والآداب العامة، باعتباره إشارة بلاغية إلى الاعتدال والاقتصاد في السلوك، بما يعكس البعد التربوي للنص القرآني.


وهكذا تتعدد صور الإعجاز القرآني بين البيان واللغة، والخبر والتشريع، والعلم والرسم، في منظومة متكاملة تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتبقى مفتوحة أمام التأمل والتدبر، مما يجعل القرآن الكريم كتابًا حيًا متجدد الدلالة، يخاطب العقل والوجدان معًا، ويمنح كل جيل فرصة جديدة لاكتشاف جانب من أسراره التي لا تنقضي.


نسأل الله تعالى أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور بصائرنا، وأن يعلمنا منه ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

تعليقات