القائمة الرئيسية

الصفحات

الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتهديدات الأمن الغذائي العالمي


بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي 


ان تداعيات الحرب لن تقتصر على منطقة الشرق الاوسط فحسب بل ستمتد كزلزال عنيف يهز أركان الأمن الغذائي العالمي بأسره، محولاً أزمة الغذاء الخانقة إلى كارثة إنسانية شاملة تطال مئات الملايين من البشر في جميع القارات، وذلك ليس لأن إيران أو جيرانها يمثلون سلة غذاء العالم، بل لأن موقعهم الجيوسياسي يجعلهم العقدة العصبية التي تمر عبرها شرايين الطاقة والتجارة العالمية، فأي شرارة حرب في هذه المنطقة ستعني إغلاق مضيق هرمون الاستراتيجي الذي يمر عبره نحو خمس إلى ثلث إنتاج النفط العالمي المنقول بحراً، وهذا الإغلاق سيرفع أسعار الوقود عالمياً بشكل جنوني، مما سينعكس مباشرة على ارتفاع تكاليف إنتاج المحاصيل ونقلها، فكل مرحلة في سلسلة الغذاء من حراثة الأرض باستخدام الجرارات التي تعمل بالديزل، إلى تشغيل مضخات الري، وصولاً إلى شحن الحاويات المبردة ونقل البضائع بالسفن العملاقة التي تستهلك كميات هائلة من الوقود، ستصبح أكثر كلفة بشكل لا يحتمل بالنسبة للدول الفقيرة، والأخطر من ذلك هو التأثير المدمر على تجارة الأسمدة العالمية، حيث يمر عبر هذا المضيق أكثر من ثلث صادرات العالم من اليوريا، ومع تعطل حركة النقل سترتفع أسعار الأسمدة بنسب تتجاوز أربعين بالمئة، وهذا الارتفاع سيؤدي إلى تقليل استخدام المزارعين للأسمدة في أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية، مما سينتج عنه انخفاض حاد في غلة المحاصيل الأساسية كالقمح والأرز والذرة في المواسم التالية، وبالتالي فجوة غذائية أكبر وأسعار أعلى في الأسواق العالمية، وسيؤدي تعطل سلاسل التوريد في البحر الأحمر والخليج العربي إلى توقف آلاف السفن التجارية أو إجبارها على سلوك طرق بديلة أطول وأكثر تكلفة، مما يعني تأخر وصول شحنات الحبوب والزيوت والمواد الغذائية الأساسية إلى موانئ الدول المستوردة، وهذا التأخير سيكون قاتلاً للدول التي تعيش على مخزون استراتيجي لا يتجاوز أسابيع قليلة، كما أن الحرب ستؤدي إلى انسحاب كبرى شركات التأمين العالمية من تغطية المخاطر في المنطقة، مما سيشل حركة التجارة البحرية تماماً ويعلق صادرات غذائية بقيمة ملايين الأطنان، وبالفعل في أية توترات محدودة سابقة شهدنا توقف صفقات تصدير ضخمة للأرز الهندي وتعطيل آلاف الحاويات التي تحمل بضائع سريعة التلف، فما بالنا بحرب شاملة، وبالنظر إلى الخريطة العالمية للجوع، نجد أن الدول الأكثر تضرراً هي تلك الواقعة في أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا والشرق الأوسط، وهي دول تعاني أصلاً من مستويات قياسية من انعدام الأمن الغذائي بسبب الحروب والنزاعات وتغير المناخ والديون المتراكمة، فدول مثل السودان واليمن والصومال وسوريا ولبنان تعتمد بشكل كبير على استيراد القمح والزيوت عبر الممرات البحرية التي ستصبح مسرحاً للعمليات العسكرية، وسيدفع ارتفاع أسعار الوقود والغذاء هذه الدول إلى حافة الانهيار التام، كما أن الحرب ستؤدي إلى تضخم غير مسبوق في أسعار الغذاء عالمياً، مما سيقلل القدرة الشرائية لمئات الملايين من الأسر الفقيرة التي تنفق بالفعل أكثر من نصف دخلها على الطعام، وهذا التضخم سيكون أقوى في الأسواق الناشئة التي ستعاني أيضاً من تراجع عملاتها أمام الدولار، مما سيجعل فاتورة استيراد الغذاء أثقل بكثير على موازناتها المحدودة، وهذه العوامل مجتمعة ستؤدي وفقاً لتقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى دفع أكثر من خمسة وأربعين مليون شخص إضافي إلى براثن المجاعة والجوع الحاد خلال فترة قصيرة من اندلاع الحرب، لينضموا بذلك إلى أكثر من ثلاث مائة مليون شخص يعانون أصلاً من جوع حاد حول العالم، مسجلين بذلك أعلى مستويات الجوع في التاريخ الحديث، وكل هذه السيناريوهات تؤكد أن الحرب على إيران لن تكون مجرد صراع إقليمي محدود، بل ستكون شرارة كبرى تشعل فتيل أزمة غذاء عالمية طاحنة تمتد تأثيراتها لسنوات قادم

تعليقات