القائمة الرئيسية

الصفحات

البلاء من الله إختبار للصبر


بقلم/ محمـــد الدكـــروري 

لقد كانت حياة رسول الله المصطفي محمد صلى الله عليه وسلم كلها رحمة، فهو رحمة، وشريعته رحمة وسيرته رحمة، وسنته رحمة، وصدق الله إذ يقول فى سورة الأنبياء "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" وإن الرسالة المحمدية بجموعها رسالة إنسانية فقد جاءت لتراعي إنسانية الإنسان فيما تأمر به أو تنهي عنه وإذا نظرنا إلى المصدر الأول للإسلام وهو القرآن الكريم وهو كتاب الله، وتدبرنا آياته، وتأملنا موضوعاته واهتماماته، نستطيع أن نصفه بأنه، كتاب الإنسان فالقرآن كله إما حديث إلى الإنسان، أو حديث عن الإنسان ولو تدبرنا آيات القرآن كذلك لوجدنا أن كلمة الإنسان تكررت في القرآن ثلاثا وستين مرة، فضلا عن ذكره بألفاظ أخرى مثل بني آدم التي ذكرت ست مرات، وكلمة الناس التي تكررت مائتين وأربعين مرة في مكي القرآن ومدنيه وكلمة العالمين وردت أكثر من سبعين مرة. 


والحاصل أن إنسانية الإسلام تبدو من خلال حرص الشريعة الإسلامية، وتأكيدها على مجموعة من القضايا المهمة، ولعل من أبرز الدلائل على ذلك أن أول ما نزل من آيات القرآن على رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم خمس آيات من سورة العلق ذكرت كلمة الإنسان في اثنتين منها، ومضمونها كلها العناية بأمر الإنسان، وإذا نظرنا إلى الشخص الذي جسد الله فيه الإسلام، وجعله مثالا حيا لتعاليمه وقيمه الإنسانية، وكان خُلقه القرآن، نستطيع أن نصفه بأنه الرسول الإنسان وإذا نظرت في الفقه الإسلامي وجدت العبادات لا تأخذ إلا نحو الربع أو الثلث من مجموعه، والباقي يتعلق بأحوال الإنسان من أحوال شخصية، ومعاملات، وجنايات، وعقوبات وغيرها، وإعلموا أن الإيمان التام بالله واليقين به عز وجل، يدفع عن العبد المكروه، فإن أصابه فرح أو خير حمد الله على ما أعطاه وشكره لكرمه ونعمه. 


وإن أصابه مكروه حمد الله وصبر على ما ابتلاه يقينا منه أن أجر ذلك الصبر سيخبئه الله سبحانه وتعالى له إلى يوم القيامة، لأن البلاء من الله اختبار للصبر، ودفع للذنوب، ورفع للدرجات، وقد قال الله سبحانه وتعالى في وصف أهل اليقين والتقوى والإيمان " الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون، أولئك علي هدي من ربهم وأولئك هم المفلحون" ومعنى اليقين وهو الثبات والوضوح واليقين خلاف الشك، ويقال للموت يقين لأنه لا شك فيه ولا مراء، فقال تعالى " وأعبد ربك حتي يأتيك اليقين" وقد فسر العلماء اليقين الوارد في الآية بأنه الموت، ومن العلم بالشيء علما لا شك فيه ومنه أيقن الشيء وتيقن به أي علمه، علما لا شك فيه، والوصف لهذا المعنى موقن، حيث قال الله تعالى. 


" الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوي علي العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمي، يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون" فقد وصف الله سبحانه وتعالى لقاءه بأنه أصبح علما يقينيا عند عباد الله المخلصين، وكما أن لليقين في اللغة عدة معاني فإن له في الاصطلاح كذلك العديد من المدلولات والمعاني التي بيّنها علماء الشريعة الإسلامية، وكان من بين تلك التعريفات العديدة بأن اليقين هو الطمأنينة في القلب واستقرار العلم فيه، وبذلك فإن اليقين له قسمان رئيسيان هما العلم التام الذي لا ينافيه شك، والعمل بذلك الشيء وذلك العلم اليقيني الذي يدفع إلى عدم معصية الله علما تاما، بأنه هو وحده الخالق المدبّر وأنه وحده له الأمر والحكم، ولا تجب الطاعة المُطلقة إلا له، وكذلك فإن اليقين وهو التصديق الجازم الذي تستقر معه النفس وتطمئن وهو العلم بأن حكم الله هو خير الأحكام وأفضلها.


وأكملها وأصدقها، وأتمها وأعدلها، وأن الواجب على كل مكلف الانقياد له، مع الرضا والتسليم التام بكل الحوادث التي تمر بالمسلم، وذلك تصديقا لقول الله سبحانه وتعالى " ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون" وينقسم اليقين إلى ثلاثة مراتب أساسية هي علم اليقين، وحق اليقين، وعين اليقين، وقد فسر العلماء تلك المراتب بتفسيرات متغايرة بناء على اختلافهم في أصل اليقين، فقال بعضهم بأن علم اليقين ما يحصل عن مجرد الفكر والنظر فقط، أما عين اليقين فهو ما يحصل، من مشاهدة العين عيانا وإبصار الشيء، وأما حق اليقين فهو اجتماع الإبصار والمشاهدة مع التفكر والتدبر بعظمة ذلك الشيئ، فإذا أخبره الصادق بالمعجزات صار ذلك حق اليقين وعلم اليقين هو ما حصل عن نظر واستدلال وتدبر وتفكر، أما عين اليقين فهو ما حصل عن مشاهدة ومعاينة للشيء المعلوم به، وحق اليقين هو ما حصل عند المعاينة مع المباشرة.


لذلك الأمر فعلم اليقين، ومثاله كمن علم تعويدا أن البحر فيه ماء فذلك الأمر يقيني لا يشك به عاقل، ويكون ذلك من خلال الاطلاع والتعوّد الناتج من السماع، أما عين اليقين فمثاله من مشى ووقف على ساحل البحر وعاينه وشاهده دون أن يطلع على تفاصيله، وحق اليقين مثاله من نزل إليه واغتسل فيه وشرب منه ولاحظ بعقله ومعاينته ملوحته.

تعليقات