القائمة الرئيسية

الصفحات

٧٠ عاما علي الإستقلال لماذا تسكن لغة المستعمر لسان التونسيين...


بقلم:عصام العربي

في الذكرى السبعين لاستقلال تونس (20 مارس 1956)، يبرز تساؤل عميق يتردد صداه في شوارع العاصمة وفي أروقة الفكر العربي: لماذا لا تزال "لغة المستعمر" تسكن ألسنة التونسيين رغم رحيل جنوده؟

هذا الطرح الذي يرى في استمرار الفرنسية "تناقضاً" أو "عدم وفاء للهوية العربية"، يستحق تفكيكاً هادئاً بعيداً عن العاطفة، لفهم الواقع التونسي كما هو.

1. هل الفرنسية هي "اللغة الأم" حقاً؟

هنا تجب الدقة فاللغة الأم للتونسيين هي "الدارجة التونسية" (وهي مزيج عبقري بين العربية الفصحى، الأمازيغية، والفرنسية)، بينما تظل العربية الفصحى هي لغة الدستور، والخطاب الرسمي، والدين.

أما الفرنسية في تونس، فهي لا تُمارس حباً في "المحتل القديم" بل تُستخدم كـ "لغة إدارة وعلم ونافذة على العالم". التونسي لا يتحدث الفرنسية وفاءً لـ "جول فيري"، بل لأن النظام التعليمي والاقتصادي الذي ورثته الدولة بعد الاستقلال بُني على هذا الأساس لضمان التواصل مع الفضاء المتوسطي.

2. ازدواجية اللغة.. صراع أم ثراء؟

يرى الكثير من المفكرين التونسيين أن التمكن من الفرنسية هو "غنيمة حرب" وليس استسلاماً ثقافياً. فاستخدام اللغة لا يعني بالضرورة تبني قيم المستعمر، بل هو امتلاك لأداة معرفية.

مالك بن نبي (المفكر الجزائري) تحدث عن "القابلية للاستعمار"، لكنه أيضاً أدرك أن مواجهة الغرب تتطلب فهم أدواته.

التونسي اليوم قد ينتقد السياسات الفرنسية بـ "لغة فرنسية طليقة"، مما يجعل اللغة وسيلة للمقاومة الفكرية أحياناً.

3. لماذا لم يحدث "التعريب الشامل"؟

مرت تونس بمحاولات تعريب، لكنها اصطدمت بواقع العولمة وحاجة سوق العمل. التمسك باللغة العربية (لغة القرآن والهوية) أمر مقدس لدى الشعب التونسي، وهو شعب متدين ومعتز بعروبته، لكنه أيضاً شعب يرى نفسه "جسرًا بين ضفتي المتوسط".

"الاستقلال الحقيقي ليس في كراهية لغة الآخر، بل في السيادة على القرار والقدرة على الإنتاج باللغة الوطنية مع الانفتاح على لغات العصر."

4. هل هو وفاء للمحتل؟

بكل صراحة، الإجابة هي "لا". الذاكرة التونسية لا تزال تحفظ تضحيات الشهداء في "فلاقة" و"بنزرت". إن استخدام الفرنسية اليوم في تونس هو مسألة وظيفية (Functional) أكثر منها عاطفية (Emotional). الشباب التونسي اليوم، وبشكل لافت، بدأ يتجه نحو الإنجليزية كبديل للفرنسية، مما يثبت أن المسألة ليست حباً في فرنسا، بل بحثاً عن الأداة الأكثر نفعاً.

الخلاصة

في عيد الاستقلال السبعين، تونس لا تزال تبحث عن توازنها الخاص بين أصالة عربية إسلامية لا تتزحزح، وبين انفتاح ثقافي فرضته الجغرافيا والتاريخ. إن "التناقض" الذي تراه هو في الحقيقة "مخاض هوية" تحاول أن تحافظ على جذورها دون أن تغلق النوافذ أمام رياح الحداثة.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات