بقلم المحامية هاجر محمد حسني
لم يذكر القرآن الكريم قصص الأنبياء لمجرد السرد التاريخي، بل ذكرها للعبرة والتدبر، حتى يدرك الإنسان أن سنن الحياة لا تتغير، وأن ما وقع في الأمم السابقة قد يتكرر في كل زمان إذا تشابهت القلوب والأفعال. ولذلك قال الله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
فعندما نتأمل تاريخ الأنبياء نجد أن كثيرًا مما نراه اليوم في مجتمعاتنا قد حدث من قبل، وكأن التاريخ يعيد نفسه، ولكن الفرق أن الله أخبرنا بهذه القصص حتى نتعلم منها ولا نقع في نفس الأخطاء.
ففي زمن آدم وقعت أول جريمة قتل في تاريخ البشرية، حين قتل قابيل أخاه هابيل بدافع الغيرة والحسد. ومنذ ذلك اليوم أصبح الحسد من أخطر الأمراض التي تصيب القلوب وتفسد العلاقات بين الناس. وما نراه اليوم من صراعات بين الإخوة أو الأقارب بسبب الغيرة والطمع ما هو إلا صورة متكررة لما حدث في بداية تاريخ الإنسان.
ثم يأتي زمن نوح الذي دعا قومه إلى عبادة الله أكثر من تسعمائة عام، ومع ذلك قابلوه بالتكذيب والسخرية. حتى قال الله تعالى:
﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾.
وهذا المشهد يتكرر في زماننا حين يسخر بعض الناس من الدعوة إلى الخير أو يستهينون بآيات الله ومعجزاته.
وفي قوم لوط ظهرت الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، حتى قال الله تعالى:
﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾.
واليوم نرى كيف تنتشر بعض الانحرافات الأخلاقية ويجاهر بها البعض وكأنها أمر طبيعي، مع أن الله حذر منها منذ آلاف السنين.
وفي بيت يعقوب ظهرت الغيرة بين الإخوة حين حسدوا أخاهم، حتى قالوا:
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾.
فكانت النتيجة فراقًا طويلًا بين الأب وابنه. وهذه القصة تتكرر في كثير من البيوت عندما يتحول الحسد بين الإخوة إلى قطيعة وعداوة.
وتأتي قصة يوسف لتكشف نوعًا آخر من الفتن، وهي فتنة الشهوة والإغراء. فقد قال الله تعالى على لسان امرأة العزيز:
﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾.
وفي زمننا الحالي كثرت الفتن والإغراءات، لكن قصة يوسف تعلمنا أن العفة والصبر ممكنان مهما اشتدت الفتنة.
وفي قوم شعيب انتشر الغش في التجارة، فقال لهم:
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
وإذا نظرنا إلى واقع بعض المعاملات اليوم نجد صورًا كثيرة من الغش والتلاعب، وكأن نفس الخطأ يتكرر عبر العصور.
أما قصة أيوب فهي درس عظيم في الصبر على البلاء. فقد ابتلاه الله بالمرض سنوات طويلة، ومع ذلك لم يفقد صبره ولا إيمانه، حتى قال الله عنه:
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.
وفي زماننا ما زال البعض يظن أن المرض عقوبة، بينما قد يكون البلاء امتحانًا أو رفعة في الدرجات.
وفي زمن موسى ظهرت صور كثيرة من التردد في الإيمان رغم رؤية المعجزات، فقد رأوا البحر ينشق ومع ذلك عاد بعضهم إلى الشك والعصيان. وهذا المشهد يتكرر اليوم حين يرى الإنسان دلائل الحق لكنه يتردد في اتباعه.
أما في عهد محمد فقد حذرنا النبي ﷺ من كثرة الفتن في آخر الزمان، فقال:
«بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا».
وهذا الحديث يبين خطورة الفتن التي قد تزلزل القلوب إذا ضعف الإيمان.
إن هذه القصص العظيمة تؤكد لنا أن القرآن ليس كتاب تاريخ، بل كتاب هداية يبين للإنسان الطريق الصحيح في كل زمان. فكل قصة فيه رسالة، وكل موقف فيه عبرة، وكل نبي فيه قدوة.
ولهذا فإن العاقل هو من يقرأ قصص القرآن بعين المتدبر، لا بعين القارئ فقط، لأن الله قال:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾.
فإذا تشابهت أفعال الناس اليوم مع أفعال الأمم السابقة، فعلينا أن نتذكر دائمًا أن نهاية الظلم والفساد واحدة، وأن النجاة تكون بالرجوع إلى الله والتمسك بالحق قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم.
فالقرآن لم يذكر لنا الماضي لنحكيه… بل لنفهم به حاضرنا ونصحح به مستقبلنا.

تعليقات
إرسال تعليق