حين تصنع الأوهامُ بطولاتٍ زائفة…
في كل مجتمع نماذج إنسانية لا تُفهم من ظاهرها، بل من المسافة الفاصلة بين ما تدّعيه وما تعيشه فعليًا. ومن بين هذه النماذج تبرز شخصية المرأة التي اعتادت تعدد العلاقات، لا بحثًا عن الاستقرار أو الارتباط الحقيقي، بل بحثًا دائمًا عن الإعجاب، وعن شعور متخيل بأنها محور اهتمام الجميع.
هي امرأة تؤمن — أو تُقنع نفسها — بأن كل من يراها يُفتن بها، وأن حضورها وحده كافٍ لصناعة الانبهار. تتحدث كثيرًا عن نظرات الآخرين، وعن إعجابٍ تراه في كل العيون، حتى وإن لم يكن موجودًا إلا في خيالها. ومع الوقت، يتحول هذا الإحساس إلى قناعة راسخة، تُبنى عليها تصرفاتها وعلاقاتها وخياراتها.
هذه الشخصية لا تكتفي بصناعة صورة جذابة لنفسها، بل تعمل باستمرار على توظيف العلاقات لتحقيق مصالحها. فالعلاقة لديها ليست مساحة إنسانية قائمة على التقدير المتبادل، بل وسيلة عبور نحو هدفٍ ما؛ منصب، نفوذ، أو مكسب شخصي. وحين تنتهي الفائدة، تنتهي العلاقة بلا تردد، لتبدأ أخرى بسرعة لافتة، وكأن العلاقات مجرد محطات مؤقتة في طريق طويل من السعي الشخصي.
المفارقة الكبرى أنها تُكثر الحديث عن علاقات قوية ومؤثرة تدّعي امتلاكها، بينما الواقع غالبًا أقل بكثير مما تصوره. أسماء تُذكر لإثارة الانطباع، وقصص تُروى لتضخيم المكانة، في محاولة مستمرة لبناء هالة اجتماعية قد لا تكون موجودة أصلًا. إنها حالة من صناعة النفوذ بالكلمات لا بالأفعال.
ورغم هذا كله، تقدم نفسها باعتبارها نموذجًا للفضيلة والاستقامة، فتتحدث عن القيم والمبادئ بثقة عالية، وكأنها فوق النقد أو المساءلة. غير أن المجتمع — بطبيعته الدقيقة في الملاحظة — لا يتأخر كثيرًا في اكتشاف التناقض بين الخطاب والسلوك. فالسمعة لا تُبنى بما يُقال، بل بما يتكرر من أفعال.
اللافت أن هذا النموذج قد يظهر أحيانًا في بيئات يُفترض أنها أكثر وعيًا ونضجًا، حتى داخل الأوساط الأكاديمية. فقد تحمل صاحبة هذه الصفات لقبًا علميًا مرموقًا، كدكتورة جامعية، لكنها تستخدم المكانة العلمية كجزء من الصورة الذهنية التي تسعى إلى ترسيخها، لا كمسؤولية معرفية أو أخلاقية. وهنا يصبح اللقب غطاءً اجتماعيًا يمنحها شرعية ظاهرية، بينما السلوك الشخصي يسير في اتجاه مختلف.
ومن أبرز سمات هذه الشخصية أيضًا تقلب المزاج الحاد؛ فهي تنتقل سريعًا من الودّ إلى الخصومة، ومن الإعجاب بالآخرين إلى التقليل منهم، وفقًا لمدى توافقهم مع مصالحها أو مدى استمرارهم في منحها الاهتمام الذي تبحث عنه. إنها علاقة مشروطة بالإعجاب الدائم، فإذا تراجع، انقلبت المواقف.
تعيش هذه المرأة داخل مرآة كبيرة صنعتها بنفسها؛ ترى فيها نسخة مثالية تعتقد أن الجميع يلهث خلفها، بينما الواقع أكثر هدوءًا وأقل درامية. فهي ترى نفسها قديسة في روايتها الخاصة، لكن الآخرين يقرأون القصة من زاوية مختلفة تمامًا.
والحقيقة أن المشكلة لا تكمن في شخص بعينه، بل في ظاهرة إنسانية أوسع: حين يتحول الاحتياج إلى التقدير إلى وهم دائم، وحين يصبح الادعاء بديلاً عن الإنجاز، والصورة أهم من الجوهر. عندها لا تعود العلاقات جسورًا إنسانية، بل مرايا تعكس رغبة صاحبها في أن يُصدق الحكاية التي صنعها عن نفسه — حتى لو لم يصدقه
ا أحد سواه.

تعليقات
إرسال تعليق