بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد كان أول شهداء معركة بدر، هو عبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب فى النزال الثلاثى، ولما كان الالتحام كان مهجع مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاء ليشرب من الحوض، فنادى عليه عمر بن الخطاب يقول انتبه للنبال يا مهجع، فيرد عليه قائلا لا ينفع حذر من قدر، وهذا هو الراصد المشرك الذي عينته قريش أن يرصد من يرد على الحوض من المسلمين، بعد أن ملكوه، وقد مات كثير من المشركين حينما مات، دائخا من العطش، ورد مهجع وقد قدم الترس أمام وجهه حذرا من النبال، ولم يستطع الرامى أن يطلق سهمه، وبعد أن ارتوى نهض فزلت قدمه فجاءه السهم حينما أراد، أن يتوازنن وتلاه عمير شقيق سعد بن أبى وقاص، وهو غلام ابن ستة عشر ربيعا أبى إلا أن يشارك في القتال فأوصاه سعد، كن كظلى ولكنها الحرب، كر وفر، ودخول وخروج وصراع وقراع ونزال.
وفرسان ومشاة، وضوء وظلام، فالغبار يجعل الجو ليلا ثم ينجلي، فقد غاب عمير عن شقيقه، فجاء العاص المدجج بالسلاح من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه، فوجد فى دم عمير غنيمة باردة، ولما علم سعد بالخبر انقض على العاص انقضاض الليث الهصور فجندله، فكان أربعة عشر شهيدا، فى المعركه فإنهم أحياء عند الله تعالى، فقد قدموا حياتهم ليحيا دينهم، فإنها ذكريات تجعل المسلم ينصهر فى تاريخه، ويولد ولادة جديدة ويحيا حياة جديدة، ولقد كانت غزوة بدر المعركة الأولى الفاصلة فى التاريخ الإسلامى، فيها فرق الله بين الحق والباطل، وخذل الكفر وأهله، وقتل فيها صناديد قريش ومجرميها، وهي الحدث الذي غير مجرى التاريخ، وكانت البوابة الأولى لغزوات متتابعة أدت في النهاية للفتح الكبير وهو فتح مكة واندحار الكفر ورفعة الإسلام وأهله، فقال تعالى فى سورة الإسراء.
" وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا" وقال ابن كثير، أنه ينبه الله تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه بما فرق به بين الحق والباطل ببدر، ويُسمى الفرقان لأن الله تعالى أعلى فيه كلمة الإيمان على كلمة الباطل وأظهر دينه ونصر نبيه وحزبه، وكان نصر الله تعالى لهم بالرعب، وإن النصر بالرعب من خصائص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما فى الصحيحين من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " نصرت بالرعب مسيرة شهر" وأيضا إمداد الله تعالى لهم بالملائكة، ولقد فضل الله تعالى من شهد بدرا من الصحابة الكرام، والملائكة على غيرهم، وأن من قُتل منهم نال الفردوس الأعلى، وفى هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر، فإن هذا لم يكن في بحبحة القتال، ولا في حومة الوغى، بل كان من النظارة من بعيد، وإنما أصابه سهم غرب وهو يشرب من الحوض.
ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس التى هي أعلى الجنان، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، التي أمر الشارع أمته إذا سألوا الله الجنة أن يسألوه إياها، فإذا كان هذا حال هذا، فما ظنك بمن كان واقفا فى نحر العدو وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عددا وعُددا، وأن أهلها مغفور لهم، ولقد أخبر رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم بأنه لولا أهل بدر لم يصلنا الإسلام، ولقضي عليه معهم، فكانت ملحمة من ملاحم التاريخ ، وحادثة فرق الله بها بين الحق والباطل، فكانت هذه الملحمة قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة، في شهر رمضان، شهر الجهاد والفتوحات، فبين الصيام والجهاد علاقة وثيقة، وصلة عميقة، فالصيام مجاهدة للنفس والشهوات والشيطان، والجهاد مغالبة لأعداء الرحمن، وعندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه فى ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من المهاجرين والأنصار.
وكانت راية المهاجرين مع مصعب بن عمير وعلي بن أبي طالب، وراية الأنصار مع سعد بن معاذ، ولم يكن معهم سوى سبعين بعيرا وفرسين، فكان الرجلان والثلاثة يتناوبون على ركوب البعير الواحد، بما فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن عبد الله بن مسعود قال كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، وكان أبو لبابة وعلي زميلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فإذا كان عُقبة يعني نوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المشى قالا، اركب يا رسول الله حتى نمشي عنك، فيقول "ما أنتما بأقوى على المشي منى، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما"

تعليقات
إرسال تعليق