القائمة الرئيسية

الصفحات

كيف نحمي أبناءنا من مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي


بقلم الدكتورة. عزة حسن عتمان 


لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للترفيه أو تبادل الرسائل، بل تحولت إلى عالم متكامل يؤثر في تشكيل وعي الأجيال الجديدة وسلوكهم وثقافتهم اليومية. ومع الانتشار الواسع للهواتف الذكية وسهولة الوصول إلى الإنترنت، أصبح الأبناء يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات، ما يفرض تحديًا حقيقيًا أمام الأسرة والمجتمع في كيفية تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية النشء من مخاطرها المتزايدة.


ورغم ما توفره هذه المنصات من فرص للتعلم والتواصل واكتساب المهارات، فإنها تحمل في الوقت ذاته مخاطر متعددة، تبدأ من التعرض للمحتوى غير المناسب، مرورًا بالتنمر الإلكتروني، ووصولًا إلى الإدمان الرقمي والعزلة الاجتماعية. وتشير دراسات تربوية حديثة إلى أن الاستخدام غير المنظم لوسائل التواصل قد يؤثر سلبًا على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، ويزيد من معدلات القلق وضعف التركيز واضطرابات النوم.


وتكمن الخطورة الأكبر في غياب الوعي لدى بعض الأبناء بطبيعة العالم الرقمي، حيث قد يتعاملون مع ما يُنشر باعتباره حقيقة مطلقة، دون إدراك لوجود معلومات مضللة أو محتوى موجَّه يسعى للتأثير على أفكارهم وسلوكهم. كما أن مشاركة البيانات الشخصية والصور دون وعي كافٍ قد تجعلهم عرضة للاستغلال أو الابتزاز الإلكتروني، وهي ظواهر باتت تشكل تحديًا عالميًا يتطلب تكاتف الجميع لمواجهته.


من هنا، تبرز أهمية دور الأسرة باعتبارها خط الدفاع الأول في توعية الأبناء. فالحماية لا تعني المنع الكامل أو الرقابة الصارمة فقط، بل تقوم أساسًا على الحوار المفتوح وبناء الثقة. عندما يشعر الأبناء بأن الأسرة شريك في فهم عالمهم الرقمي، يصبحون أكثر استعدادًا لطلب النصيحة والإبلاغ عن أي مواقف مقلقة يتعرضون لها.


كما يجب على الآباء والأمهات تطوير وعيهم التكنولوجي لمواكبة ما يستخدمه الأبناء من تطبيقات ومنصات، فالفجوة الرقمية بين الأجيال قد تقلل من قدرة الأسرة على التوجيه الصحيح. ويمكن تحقيق ذلك عبر التعرف على إعدادات الخصوصية، وتحديد أوقات مناسبة لاستخدام الأجهزة، وتشجيع الأنشطة الواقعية التي تعزز التفاعل الاجتماعي المباشر.


ولا يقتصر الدور على الأسرة وحدها، بل يمتد إلى المؤسسات التعليمية والإعلامية، التي يقع على عاتقها نشر ثقافة الاستخدام الآمن للإنترنت. فالمدرسة لم تعد مسؤولة فقط عن التعليم الأكاديمي، بل أصبحت مطالبة ببناء الوعي الرقمي لدى الطلاب، وتعليمهم مهارات التفكير النقدي وكيفية التحقق من المعلومات قبل تصديقها أو مشاركتها.


وفي هذا السياق، يمثل الإعلام شريكًا أساسيًا في تقديم محتوى توعوي متوازن يوضح الإيجابيات والمخاطر معًا، بعيدًا عن التهويل أو التهوين، بما يساعد الأسر على فهم التحديات الجديدة التي فرضها العصر الرقمي.


إن حماية الأبناء في زمن التكنولوجيا لا تتحقق بإغلاق الأبواب أمام العالم الرقمي، بل بتعليمهم كيفية العبور الآمن داخله. فالتوعية المبكرة، والحوار المستمر، وبناء الثقة، تظل الأدوات الأهم لصناعة جيل قادر على استخدام التكنولوجيا بوعي ومسؤولية، جيل يستفيد من أدوات العصر دون أن يقع

 أسيرًا لمخاطرها.

تعليقات