ليست مصر مجرد حدود مرسومة على الخريطة، ولا كيانًا سياسيًا عابرًا في زمن مضطرب، بل هي ركيزة التاريخ العربي وعمود توازنه الاستراتيجي. عبر قرون طويلة، ظلت مصر تمثل مركز الثقل الذي تستند إليه الأمة العربية في لحظات الانكسار قبل الانتصار، وفي أوقات الفوضى قبل الاستقرار.
إن موقع مصر الجغرافي، وثقلها السكاني، ودورها السياسي والعسكري، جعلها دائمًا عنصر الحسم في معادلات الإقليم. فمن القاهرة تُدار توازنات، وتُرسم خطوط، وتُحفظ حدود. لذلك، فإن قوة مصر لم تكن يومًا شأنًا داخليًا، بل كانت ولا تزال قضية عربية بامتياز.
وفي هذا السياق، يثير القلق والاستغراب ما نشهده أحيانًا من حملات هجوم غير مبررة على الدولة المصرية، سواء من بعض الأفراد أو الأصوات في دول الخليج. هجوم يتجاوز حدود النقد الموضوعي إلى استخدام ألفاظ خارجة لا تليق بعلاقات تاريخية تجمع شعوبًا بينها روابط الدين واللغة والمصير المشترك.
النقد حق مشروع، بل هو ضرورة لتصحيح المسار، لكن حين يتحول إلى إساءة وتطاول على دولة بحجم مصر وشعبها، فإنه يفقد قيمته ويتحول إلى عامل هدم لا بناء. فالعلاقات بين الشعوب لا تُبنى على التجريح، ولا تُدار بمنطق الاستعلاء أو التقليل من الآخر.
لقد وقفت مصر تاريخيًا إلى جانب أشقائها العرب في أصعب اللحظات، وقدمت من أجل استقرار المنطقة أثمانًا باهظة، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة للنيل منها أو التقليل من دورها لا تصب إلا في مصلحة من يسعى لتفكيك الصف العربي وإضعافه.
إن الخلافات، إن وجدت، يجب أن تُدار بحكمة ومسؤولية، بعيدًا عن خطاب الكراهية أو الانفعال. فالمصير العربي واحد، والتحديات التي تواجه المنطقة أكبر من أن تُهدر الطاقات في صراعات جانبية أو مهاترات إعلامية.
في النهاية، تبقى الحقيقة الراسخة أن مصر ليست دولة عادية في محيطها، بل هي عنوان استقرار وركيزة توازن. ومن يفهم طبيعة المرحلة يدرك أن الحفاظ على مكانة مصر وقوتها هو حفاظ على ما تبقى من تماسك عربي في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.

تعليقات
إرسال تعليق