كتب الأديب أحمد أمين عثمان
في أصل التشريع كانت الحضانة رحمة وكانت روحها حماية الطفل وصون قلبه الصغير من التمزق وجعل الأسرة حتى بعد الانفصال مظلة إنسانية تقي الأبناء برد الفقد وقسوة التشتت.
غير أن القوانين حين تجرد من روحها وتدار بميزان جامد لا يرى الإنسان خلف الأوراق قد تتحول أحيانا من وسيلة عدل إلى أداة ضغط و وجع ومن حماية للطفل إلى معول يهدم ما تبقى من جسر بين الأب وفلذة كبده.
إن مأساة كثير من الآباء اليوم ليست بإنتهاء علاقة زوجية فالحياة قد تتعثر بين البشر لكن المأساة الحقيقية حين يتحول حق الحضانة إلى سلاح يشهر في وجه الأب فيقصى عن أطفاله ويختزل حضوره في ساعات قليلة باردة كأنه زائر عابر في حياة من كان يوما قطعة من روحه.
أي قانون هذا الذي يسمح بأن يتحول الأب وهو أحد أعمدة الوجود النفسي للطفل إلى محفظة ضيف مؤقت وأي منطق يقبل أن ينشأ طفل وهو يرى أباه خلف مواعيد محدودة كأن العلاقة بينهما ليست دما ولا روحا بل موعدا إداريا على ورقة إثبات حضور وإمضاء عند مختص.
الطفل لا يحتاج إلى النفقة فقط ولا إلى بيت يؤويه فحسب بل يحتاج إلى حضن أب وصوت أب وهيبة أب ونصيحة أب.
نعم يحتاج إلى أن يرى الرجولة ماثلة أمامه في كل يوم لا أن يتعرف إليها عبر زيارات قصيرة تدار بساعة المحكمة.
وحين يقصى الأب قسرا عن حياة طفله بسبب تعنت الأم لا ينكسر قلب الأب وحده بل يتصدع في روح الطفل شيء خفي لا تراه القوانين ولا تسمعه المحاضر.
فالطفل الذي يحرم من التوازن بين الأب والأم يكبر غالبا بفراغ عاطفي أو إرتباك نفسي وقد يحمل في داخله أسئلة صامتة لا يجد لها جوابا
لماذا لا أعيش مع أبي ولماذا صار حضوره استثناءً في حياتي وهنا تتجاوز القضية حدود نزاع بين رجل وامرأة لتصبح قضية مجتمع كامل.
لأن الأسرة هي الخلية الأولى لبناء الأمة فإذا تصدعت فيها العلاقة بين الأب وأبنائه فإن المجتمع كله يدفع الثمن لاحقا.
إن أخطر ما في بعض قوانين الحضانة حين تطبق بجمود أنها تزرع بذور القطيعة بدل أن تعالج آثار الإنفصال.
فبدل أن تكون الحضانة نظاما يضمن إستمرار دور الأب والأم معا في حياة الطفل تتحول في بعض الحالات إلى باب للإنتقام أو الضغط والإذلال أو تصفية الحسابات القديمة.
والطفل في النهاية هو الضحية الصامتة
إن المجتمع الذي يسمح بأن يقصى الأب عن تربية أبنائه إنما يضعف إحدى ركائز التربية.
فالأب ليس مجرد ممول إقتصادي بل هو مدرسة في الإنضباط وقدوة في المسؤولية وركيزة في بناء شخصية الأبناء.
لذلك فإن العدالة الحقيقية في قوانين الحضانة لا تكون بإنتصار طرف على آخر بل بإنتصار الطفل نفسه.
والطفل لا ينتصر إلا إذا بقي الأب حاضرا في حياته حضورا حقيقيا لا حضورا رمزيا.
القانون العادل لا يسأل فقط من الأحق بالحضانة
بل يسأل السؤال الأعمق كيف نحفظ للطفل أباه وأمه معا رغم الفراق فالأب ليس خصما في حياة الطفل بل نصف العالم الذي ينتمي إليه.
وحين تتحول الحضانة إلى سلاح يكسر قلب الأب ويزرع الغياب في قلب الطفل فإننا لا نحل أزمة أسرة واحدة بل نزرع شقوقا في جدار المجتمع كله.
ولعل الوقت قد حان لننظر إلى الحضانة بعين الحكمة لا بعين الصراع والنديه وتعظيم الآنا
لننظر بعين الطفل الذي يحتاج إلى قلبين لا إلى قلب واحد ينتصر وآخر يقصى ويتألم.
فالأب الذي يبعد عن طفله قسرا، لا يخسر أبوة فقط بل يخسر المجتمع معه جزءا من توازنه الإنساني لأن الأسرة لا تبنى بالإنتصارات القانونية بل تبنى بحفظ الروابط التي خلقها الله بين القلوب.

تعليقات
إرسال تعليق