بقلم: رحاب سمير العناني
في مجتمعاتنا، كثيراً ما نُمجد "الست اللي بـ 100 راجل"، تلك التي تحملت المسؤولية وحدها، وقفت في وجه العواصف، ورسمت طريقها وطريق أولادها بصلابة تحسد عليها. لكن خلف هذا اللقب البراق، تكمن حكاية طويلة من "التعود" الذي قد يتحول بمرور الوقت إلى "استغناء" قسري.
يقولون: "الست التي اعتادت أن تحمل أعباءها بمفردها، لا يملأ عينها رجل". هذه العبارة ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي توصيف دقيق لحالة نفسية واجتماعية. فالمرأة التي خاضت معارك الحياة بمفردها، وبنت حول نفسها سوراً من الاكتفاء الذاتي، لم تفعل ذلك رغبةً في التحدي، بل غالباً ما كان "اضطراراً" في لحظات لم تجد فيها يداً تمتد لتسندها.
عقدة "الاستغناء" والفجوة الكبيرة
حين تعتاد المرأة على إدارة كل التفاصيل، من أبسط المهام اليومية إلى أصعب القرارات المصيرية، يتكون لديها "معيار" عالي جداً للقبول. هي لا تبحث عن رجل يضيف "عبئاً" جديداً لحياتها، ولا تبحث عن "قائد" يملي عليها الأوامر وهي التي قادت سفينتها في عز الأمواج. هي تبحث عن "الإضافة"، عن الشخص الذي يفهم أن قوتها هذه هي درع حماية، وليس رغبة في إلغاء الطرف الآخر.
القوة.. وجع أم انتصار؟
الحقيقة التي قد لا يراها الكثيرون هي أن "شيل الشيلة لوحدك" استنزاف للروح قبل الجسد. نعم، هي قوية، لكن القوة المستمرة مرهقة. والخطورة تكمن في أن هذا التعود قد يخلق جفاءً عاطفياً، ويجعل من فكرة "المشاركة" تبدو كأنها "ضعف" أو "تهديد" للاستقرار الذي صنعته بيدها.
نحو مفهوم جديد للسند
المرأة القوية لا تحتاج إلى من "يعولها" بقدر ما تحتاج إلى من "يحتويها". هي تحتاج إلى ذاك الذي يمنحها الأمان لتضع دروعها جانباً ولو لساعة واحدة في اليوم، لتعرف أنها ليست مضطرة لأن تكون "بـ 100 راجل" طوال الوقت.
ختاماً..
إن العظمة الحقيقية ليست في العيش كـ "جزيرة منعزلة"، بل في القدرة على اختيار الشريك الذي يحترم تلك القوة ويقدرها، ويكون هو المرفأ الذي تستريح فيه المحاربة من عناء الطريق. فالاستقلال لا يعني الانعزال، والقوة الحقيقية هي التي تترك مساحة للحب والمشاركة الصادقة.

تعليقات
إرسال تعليق