بقلم / محمـــد الدكــــروري
يا عباد الله إن من يتأمل الوقائع والأحداث عبر السنين والأعوام، تيقن أن الله تعالى يداول الأيام بين الناس، فقد ظن جبابرة كثيرون أن الدنيا قد استسلمت لهم، وأنهم عليها غالبون، وأن القرار لهم، والغلبة والسيطرة لهم، فهذا فرعون علا في الأرض وأفسد فيها، يستحي النساء، ويقتل الرجال، ويشرد ويدمر، ويقتل، ورفع نفسه فوق منزلته، وظن أنه رب يعطي ويمنع، ويحيي ويميت، ويفعل ما يحلو له، غير آبه بأحد، فلما استكبر وطغى، وفجر وبغى، أخذه الله نكال الآخرة والأولى، وأهلكه ودمره ودمّر جنده، وإن في إهلاك الله للظالمين والطغاة آية كونية، وراحة للبلاد والعباد، وإظهارا لقدرة الرب سبحانه في خلقه، وعظمته وجلاله وكبريائه يملي للظالمين والطغاة، فتعلو كلمتهم، وتفشو قوتهم، وتعظم سطوتهم، حتى يظنوا في أنفسهم السيادة والعلو والرفعة والعزة والمنعة، وأنهم في ممالكهم ممكنون.
وفي عسكرهم وحرسهم آمنون، يأمرون وينهون، ويقربون ويعزلون، الخير ما استحسنوه، والشر ما عادوه، آراؤهم في الاقتصاد سديدة، وفي العلوم والفنون غير مسبوقة، وخلفهم همج رعاع يجيدون صناعة الطواغيت، فيؤلهون هؤلاء الطغاة، ويرفعونهم فوق قدرهم وعندها تحق عليهم كلمة الرب العظيم سبحانه، فيهلكهم ويجعل إهلاكهم من محامده وفضله سبحانه على خلقه، فقال الله تعالى فى سورة الأنعام " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين" وذلك فضلا عن أن إهلاك الظالمين يفتح باب الأمل أمام المستضعفين لنصر من الله وفتح قريب، فهل تأخذ الأمة الإسلامية من ذلك عبرة، حتى لا يعتريها كسل، ولا يتسلط عليها يأس؟ وكما ذكرت المصادر التاريخية أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وجد اليهود يعظمون يوم عاشوراء ويصومونه.
فكان له موقف وتوجيه في ذلك، فإن الطاعة هى أفضل صور شكر المنعم تبارك وتعالى، فصام صلى الله عليه وسلم هذا اليوم وأمر المسلمين بصيامه، وجعل في صومه أجرا كبيرا، فلما سئل صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عاشوراء قال " احتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله" ولكنه صلى الله عليه وسلم أراد لهذه الأمة أن تجمع بين الخيريتين خيرية طاعة الله سبحانه وشكر نعمة إهلاك الظالمين وإنجاء المؤمنين، وخيرية مخالفة المشركين، فنصح للمؤمن أن يخالف المشركين في احتفائه بهذا اليوم، فإذا أرادت هذه الأمة خيرية وسعادة ورفعة، فلتحرص على متابعة سُنة النبي الأمين صلى الله عليه وسلم، وعلى مخالفة سُنَن المشركين، ولتعلم أن المشركين أهل غواية وإضلال، يحرصون على نشر الفساد والشر، وإيقاع هذه الأمة في حبائل المنكرات، فهل تنتبه الأمة في ذكرى عاشوراء إلى مصدر عزها.
وخيريتها المتمثل في جمعها بين طاعة ربها، ومخالفة سبل الضالين والمجرمين من أصحاب الجحيم؟ ومن الأحداث الجسام في هذا اليوم أيضا هو ما أصاب الأمة المسلمة من مقتل أحد أفاضلها وكبرائها، فقد فجُع المسلمون باستشهاد الحسين بن علي رضي الله عنهما، ولا شك أن مقتله رضي الله عنه مصيبة، يفرح بها العدو ويُساء بها المحب، وقد ساء أهل السنة مقتل ريحانة النبي صلى الله عليه وسلم وابن ابنته، ولم يفرح بهذه المصيبة إلا المفسدون والخونة من السبئيين وغيرهم، وإن الشرع المطهر علمنا أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ومع ذلك يحدث في هذا اليوم من منكرات الروافض الشيء الكثير، ويحدث فيه من البدع والمحدثات أمور كثيرة، لا يرضاها شرع ولا يقرها دين، وإنما هي أفعال جاهلية وأمور باطلة، لا ترد ميتا ولا تنصر حقا، بل تولد حقدا وتنشر جهلا وبدعا.
فهل يستطيع عقلاء الأمة جمع كلمتها وتوحيد صفها قبل أن تخترم بنيتها وتضيع قوتها؟ فاتقوا الله، فتقوى الله خير وأبقى، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، وهكذا تتوالى منن الرحمن ومنحه لهذه الأمة، فلا تكاد القلوب تصدأ والذنوب تتراكم حتى يمنّ علام الغيوب بستر العيوب ويتوب على من يتوب، وجاء في كتب السيرة النبوية الشريفة أنه عندما يأتي اليوم العاشر من المحرم وهو يوم من أيام الإيمان، ومناسبة تستحق الشكر والعرفان بما شرع الله، لا بما يهوى البشر وفي غمرة الشعور باليأس والإحباط الذي أصاب المسلمين اليوم من جراء تتابع النكبات والشدائد، يأتي يوم عاشوراء ليذكر الأمة أنه لا تقف أمام قوة الله أية قوة، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه إذا أراد شيئا فإنما يقول له "كن فيكون"

تعليقات
إرسال تعليق