بقلم الدكتورة إيمان سماحة
إذا أظلَّت الأمةَ العشرُ الأواخرُ من رمضان، أقبلت عليها مواسمُ الصفاء إقبالَ الغيث على الأرض الظمأى، وتفتّحت في سماء القلوب أبوابٌ من الرحمة لا تُحصى، كأنما يُنادَى في أعماق الأرواح: هلمّوا إلى ميادين القرب، فقد دنا أوان الاصطفاء، وآن لليل العابدين أن يطول، ولدموع المنيبين أن تجري، ولقلوب الصالحين أن تتخفّف من أثقالها وتُحلِّق في آفاق الرجاء.
فهذه الأيام المباركة ليست مجرد امتدادٍ لزمن الصيام، بل هي خلاصةُ الشهر ولبابُه، وزبدةُ فضله وخاتمةُ ميدانه؛ فيها تتجلّى معاني العبودية في أصفى صورها، وتستيقظ في النفس تلك القوّة الخفيّة التي تُسمّيها النصوص: العزيمة على الطاعة، أو ما عبّر عنه السلف بقولهم: “الصدق مع الله في الطلب”.
وقد كان هديُ النبي ﷺ في هذه الليالي هديَ العارفين بقدرها، إذ كان إذا دخلت العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدّ وشدّ المئزر؛ وكأنما أراد أن يعلّم الأمة أن ختام الأعمال هو ميدان السباق الحقيقي، وأن الفضل الأعظم قد يُخبَّأ في اللحظات الأخيرة لمن صدق الطلب وأحسن التهيؤ.
ولعلّ السرّ الأعظم في شرف هذه العشر أنها مظنّة ليلة القدر، تلك الليلة التي جعلها الله تاج الزمان وواسطة عقده، حتى قال سبحانه:
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
فهي ليلةٌ تتنزّل فيها الرحمات تنزّل الندى على الروض، وتفد فيها الملائكة أفواجًا بالسلام والبركة، وتغدو الأرض كأنها محرابٌ واسع تتعانق فيه الأرواح مع أنوار السماء.
ومن دقائق المعاني في إخفاء ليلة القدر أن يبقى القلب معلّقًا بالاجتهاد لا باليوم المعيَّن؛ فالمقصود ليس ليلةً واحدة فحسب، بل أن تتوهّج في النفس روحُ المجاهدة، وأن يتعلّم المؤمن أن يطرق أبواب السماء مرارًا حتى يُفتح له الباب.
وفي هذه الليالي تتجلّى حقيقة العبودية في أسمى معانيها؛ إذ يجتمع فيها قيام الليل، وتلاوة القرآن، وكثرة الذكر، وسخاء الدعاء، وصدق التوبة. فإذا اجتمعت هذه المعاني في قلبٍ واحد، صار القلب كأنّه محرابٌ حيّ تتردّد فيه أصداء المناجاة، وتنعكس عليه أنوار القرب.
ومن أبدع ما يُروى في هذا الباب دعاء أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سألت النبي ﷺ: يا رسول الله، أرأيت إن علمتُ أيّ ليلةٍ ليلةُ القدر، ما أقول فيها؟ فقال:
«قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عني».
وفي هذا الدعاء سرّ لطيف؛ إذ لم يُؤمر السائل بطلب النعيم أو الرفعة، بل بطلب العفو، لأن العفو إذا نزل بالقلب محا آثار الذنوب، وفتح للروح أبواب القبول.
إن العشر الأواخر ليست زمنًا عابرًا في تقويم العام، بل هي مدرسة روحية مكثّفة يتعلّم فيها القلب فنّ الرجوع إلى الله، ويستعيد الإنسان فيها صفاء فطرته الأولى؛ فيدرك أن الطمأنينة ليست في كثرة المقتنيات، بل في صفاء العلاقة مع خالق الأرض والسموات.
ولهذا كان السلف الصالح إذا أقبلت هذه الليالي تغيّرت وجوههم كأنهم على موعدٍ مع ضيفٍ عزيز، لأنهم أدركوا أن اللحظات التي تمتلئ بالذكر والطاعة تُكتب في سجلّ العمر أضعافًا مضاعفة، وأن الله قد يجعل في ليلةٍ واحدة ما لا يجعله في أعوامٍ مديدة.
فطوبى لمن أدرك هذه العشر بقلبٍ حاضر، ولسانٍ ذاكر، وجسدٍ قائم بين يدي ربّه؛ وطوبى لمن جعلها محراب توبةٍ وموسم رجوعٍ وبداية عمرٍ جديد. فإذا انقضت هذه الليالي، وارتفعت صحائفها إلى السماء، بقي في القلب أثرها النوراني شاهدًا على أن الإنسان — مهما أثقلته الأيام — يستطيع أن يولد من جديد حين يفتح قلبه لنور الله.
فالعشر الأواخر ليست نهاية رمضان فحسب، بل قد تكون بداية حياةٍ أخرى… حياةٍ يشرق فيها القلب بأنوار القرب، ويذوق فيها العبد لذّة أن يكون لله.
اللهم يا واسع الفضل والمنة، يا من جعلت في هذه الليالي كنوز الرحمة ومفاتيح المغفرة، نسألك أن تبلغنا ليلة القدر، وأن تفيض على قلوبنا من أنوارها، وأن تكتب لنا فيها العفو والعافية والقبول. اللهم اغسل قلوبنا من أدران الذنوب، وأنر أرواحنا بنور طاعتك، واجعل ختام رمضان لنا ختامًا بالرضا والغفران، ولا تخرجنا منه إلا وقد غفرت لنا ورضيت عنا، وجعلتنا من عتقائك من النار، يا أرحم الراحمين.

تعليقات
إرسال تعليق