القائمة الرئيسية

الصفحات


بقلم / محمـــد الدكـــروري

إعلموا أن من علامات قبول صيام العبد، أن تكون أحواله العبادية والسلوكية بعد رمضان أفضل مما كان من قبله، بالإضافة إلى المسارعة والإقبال على الطاعات والقربات والنوافل، فالنفس التى تعودت الصبر والعفو والتسامح ابتغاء مرضاة الله، عليها أن تداوم على ذلك، ومن اعتاد البذل والعطاء فى رمضان عليه ألا يحرم نفسه هذا الفضل العظيم بعد رمضان، لاسيما أننا مازلنا فى جائحة وفى شدة، وفى الشدائد تعظم الأعمال وتعظم الأجور عن غيرها من الأوقات، وأن الصيام عبادة روحية ونفسية فرضها الله سبحانه وتعالى على العباد بغية صيانة الانسان والشعور بآلام الغير والتجديد الدائم لخاصية التقوى فختمت آيات الصوم بقوله تعالي "لعلكم تتقون" أى تجددوا الشعور بالخوف من الله وتقواه، وهذا يظهر دائما فى تلك العبادة لأنها عبادة سرية لا يطلع عليها إلا رب القلوب وفيها تدريب على كيفية معاملة الغير. 


حتى من يخطئ فى حق الانسان، فيقول النبى صلى الله عليه وسلم "فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إنى صائم إنى صائم" فجعل الصوم أداة لدرء المفاسد تصديقا لقول الله تعالي "إن الله يدافع عن الذين آمنوا" وأن العبادات موزعة على العام كله، فمنها عبادات مستمرة طول العام وطول العمر كالصلاة، ومنها عبادات لها ميقات زمنى كالحج وكذلك الزكاة لها نصاب معين وميقات محدد، ثم تأتى فريضة الصوم كل عام فى شهر رمضان تعقبها مناسك الحج فإذا كانت فريضة الصيام تكسب الإنسان روحانيات معينة فيتصدق ويصل رحمه ويطعم الفقير والمسكين ويخرج زكاة الفطر، فهذه الأعمال ليست مقتصرة على شهر رمضان، وإذا كنا قد ودعنا رمضان فإن كل العام امتداد لهذا الشهر كالمداومة على قيام الليل وصلة الأرحام وبر الوالدين والإكثار من الصدقات والتطوعات، فإذا أهمل الإنسان بعد رمضان وتراخى وتكاسل. 


فكأنه لم يستفد من عبادته شيئا، فالمطلوب من المسلم بعد رمضان؟ هو الثبات على ما اكتسبه من الصيام وتطبيقه على العام كله، ولعل من علامات ودلالات القبول للصائم أن يرى أثر نعمة الله عليه فى الاستمرار فى صلة رحمه وبر والديه وكبح جماح غضبه، وهنا يكون الإنسان قد انتصر على شيطانه وحقق الغاية التى تهدف إليها عبادة الصوم فيحرص على التمسك بمكتسباته ليقاوم بها غواية الشيطان وغواية النفس الأمارة بالسوء، وإن الإستمرار على الطاعات بعد رمضان من علامات قبول الله تعالى للأعمال، وعلى توفيق الله تعالى للعبد، بخلاف من يعبد الله فى رمضان فقط، فإذا ما انتهى رمضان ترك العبادة والطاعة، فهذا على خطر عظيم، ويدل هذا على أنه دخل رمضان بغير نية صادقة، وإنما تعبد لله فيه مجاراة للناس، فيحذر هؤلاء أن تحبط أعمالهم، وليعلموا أن رب رمضان هو رب بقية الشهور. 


وأنه المستحق للعبادة فى رمضان وغيره، وأن السلف رضى الله عنهم كانوا يستقبلون الشهر قبل قدومه بستة أشهر، وبعد رمضان يدعون الله ستة أشهر أخرى يطلبون من الله تعالى أن يتقبل منهم أعمالهم، وقيامهم، وصيامهم، وزكاتهم التى كانوا يفعلونها فى هذا الشهر المبارك، وينبغي علينا أن نعلم أنه حرص السلف الصالح رضوان الله عليهم علي المداومة علي الطاعة فهذا عمر بن عبدالعزيز أمير المؤمنين وخليفة المسلمين فى زمانه وسيد من سادات التابعين، خطب الناس فى يوم عيد الفطر، وقال أيها الناس إنكم قد صمتم لله ثلاثين يوما، وقمتم لله ثلاثين ليلة، وها أنتم قد خرجتم الآن لتطلبوا من الله عز وجل أن يتقبل منكم ذلك" وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه "كونوا لقبول العمل أشد حرصا منكم على العمل، أما علمتم أن الله تعالى يقول" إنما يتقبل الله من المتقين" فالسلف رضى الله عنهم بعد عبادتهم كانوا يتوقفون مع أنفسهم. 


ويراجعون أعمالهم، هل هى مخلصة لله عز وجل؟ هل هى مستقيمة على منهاج النبوة؟ فكانوا يربطون ذلك بقبول العمل أو رده، ولذلك كانوا إذا عملوا عملا يخافون بعده، لم يكونوا يفرحون أنهم قد صلوا وصاموا، وإنما كانوا وجلين خائفين أن يرد الله عز وجل عليهم عبادتهم ولذلك عندما قرأت عائشة رضى الله عنها ذات يوم " والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون" فظنت أن هذا فى باب المعاصى والآثام، فقالت يا رسول الله أهذا الزانى يزني، والسارق يسرق؟ قال لا يا بنت الصديق، إنما هؤلاء أقوام أتوا بصلاة وصيام وزكاة، ويخافون ألا يتقبل منهم.

تعليقات