القائمة الرئيسية

الصفحات

قانونية تصريحات سفير واشنطن لدى إسرائيل حول "الحق التوراتي" في الأرض


بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي 


في مشهد دبلوماسي غير مسبوق أثار موجة غضب عارمة في المنطقة، خرج مايك هاكابي، السفير الأمريكي لدى إسرائيل، بتصريحات وصفت بأنها الأخطر في تاريخ العلاقات الدبلوماسية، حين أعلن صراحةً أن لإسرائيل "حقًا توراتيًا" في السيطرة على أرض تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات، قائلاً في مقابلة مع الصحفي تاكر كارلسون في 21 فبراير 2026سيكون من الجيد لو أخذوا كل هذه الأرض هذه التصريحات التي استندت إلى تفسير حرفي لسفر التكوين الإصحاح 15 الآية 18، لم تكن مجرد زلة لسان، بل حملت في طياتها إعادة إحياء لمشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يضم فلسطين والأردن وسوريا ولبنان وأجزاء من العراق والسعودية ومصر، في تحدٍ صارخ لكل قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

لم تتوانَ الدول العربية والإسلامية عن الرد بسرعة وحزم، ففي بيان مشترك صدر في 22 فبراير، اجتمعت 14 دولة هي السعودية ومصر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا وقطر والكويت وعمان والبحرين ولبنان وسوريا وفلسطين، إلى جانب الأمانات العامة لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، لتعرب عن "الإدانة الشديدة والقلق العميق" إزاء هذه التصريحات "الخطيرة والتحريضية" التي تمثل "انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة" وتهديدًا خطيرًا للأمن والاستقرار الإقليمي وقد شدد البيان على رفض أي محاولات لشرعنه السيطرة على أراضي الآخرين، مؤكدًا أن "إسرائيل لا تمتلك أي سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة أو أي أراضٍ عربية أخرى"، ومجددًا الرفض القاطع لأي ضم للضفة الغربية أو فصلها عن غزة أو توسيع المستوطنات أو تهديد سيادة الدول العربية.

ما زاد من خطورة الموقف هو أن هذه التصريحات صدرت عن سفير معتمد يمثل واشنطن رسميًا، الأمر الذي دفع الدول الموقعة إلى اعتبارها "سابقة خطيرة" من مسؤول أمريكي تعكس تجاهلًا للعلاقات التاريخية مع المنطقة وقد لفت البيان الانتباه إلى التناقض الصارخ بين تصريحات هاكابي والموقف المعلن للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يرفض ضم الضفة الغربية، كما أن هذه التصريحات تتعارض بشكل مباشر مع "الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة" التي ترتكز على احتواء التصعيد وخلق أفق سياسي للتسوية يقيم دولة فلسطينية مستقلة.

هنا يبرز السؤال القانوني الأكثر إلحاحًا كيف يمكن التوفيق بين تصريحات مسؤول أمريكي رفيع يدعو لـ"حق إلهي" في السيطرة على أراضي دول ذات سيادة، وبين مبادئ القانون الدولي التي تقوم على احترام السيادة وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة؟ إن الإجابة تكمن في أن هذه التصريحات، رغم خطورتها، "لا تحمل أي قيمة أو أثر قانوني" كما أكدت الأردن، غير أن خطرها يكمن في كونها تغذي الخطاب المتطرف وتشجع إسرائيل على مواصلة سياساتها التوسعية غير القانونية.

لقد حذر الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط من أن استخدام المبررات الدينية لشرعنه سياسات الهيمنة يتعارض مع أسس النظام الدولي الحديث القائم على احترام سيادة الدول وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة وفي السياق ذاته، وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي التصريحات بأنها "شهادة جريئة على التواطؤ الأمريكي النشط في حروب التوسع العدوانية والإبادة الجماعية الاستعمارية التي يرتكبها النظام الإسرائيلي ضد الفلسطينيين "وبينما دعت الدول العربية وزارة الخارجية الأمريكية إلى توضيح موقفها رسميًا من هذه التصريحات، يبقى السؤال معلقًا حول ما إذا كانت تمثل رأيًا شخصيًا لسفير معروف بتوجهاته الإنجيلية المتطرفة، أم أنها تعكس تحولًا أعمق في السياسة الأمريكية تجاه الصراع، خاصة في ظل التقارير التي تشير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه يعتبر نفسه "في مهمة تاريخية وروحية" لتحقيق رؤية إسرائيل الكبرى وتبقى الحقيقة القانونية الراسخة أن القانون الدولي، ممثلًا في قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، يؤكد أن الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 هي أراضٍ محتلة لا يغير الاحتلال من طبيعتها، وأن الاستيطان فيها غير شرعي، وأن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني هو حق مكتسب غير قابل للتصرف، بغض النظر عن أي خطاب ديني أو أيديولوجي يحاول إضفاء الشرعية على ما جرمه القانون الدول

ي بوضوح

تعليقات