بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي
في قلب الشرق الأوسط، حيث تلتقي مياه الخليج العربي بخليج عمان، يمتد شريان مائي ضيق لا يتسع لأكثر من 21 ميلاً عند أضيق نقطة فيه، ليشكل ممراً عالمياً لا يقدر بثمن هذا الممر هو مضيق هرمز، ذلك الحلق الحيوي الذي يمر عبره نحو خمس إنتاج العالم من النفط الخام، وأكثر من 311 مليون متر مكعب من الغاز المسال يومياً لكن الجغرافيا هنا لم تكن يوماً مجرد خطوط على خريطة، بل هي قدر، ومصير، وورقة ضغط بامتياز بيد من يسيطر على شواطئه الشمالية في لحظات التوتر الكبرى، يتحول هذا المضيق من مجرد ممر مائي إلى سيناريو مرعب للمنطقة والعالم بأسره، حيث تتعدد الاحتمالات وتتشعب تهديداتها.
الخيارات المتاحة أمام من يريد استهداف هذا الشريان ليست واحدة، بل هي سيناريوهات متدرجة في وحشيتها وتأثيرها ربما يكون أقلها تكلفة هو سياسة "التحرش" والإزعاج، حيث يتم إرسال زوارق سريعة لمضايقة الناقلات، أو نشر ألغام بحرية في المياه الضحلة، أو حتى تشويش أنظمة الملاحة عبر إشارات الـ GPS، وهي لعبة خطيرة سبق أن عطلت آلاف السفن وأربكت حركة العبور لكن هذا مجرد مقدمة لكابوس حقيقي، يتمثل في الإعلان الرسمي عن إغلاق المضيق، ربما عبر تحذيرات إذاعية كما حدث مؤخراً، أو عبر عمليات نوعية تستهدف ناقلات محددة، مما يجعل المرور عبره مغامرة غير محسوبة وتكلفة التأمين على السفن خيالية، حيث تقفز الأقساط بنسبة قد تصل إلى 50% فجأة.
في سيناريو آخر أكثر تدميراً، لا يقتصر الأمر على إغلاق الممر المائي، بل يتسع ليشمل البنية التحتية للطاقة نفسها هنا، تتحول صواريخ كروز والمسيرات إلى أدوات لضرب موانئ التصدير ومحطات المعالجة في الدول المطلة على الخليج، كتلك التي تمتلكها السعودية والإمارات والكويت لو حدث هذا، فإن السيناريو لا يعني فقط توقف الشاحنات عن الإبحار، بل يعني توقف تدفق النفط من منابعه ذاتها لأشهر، وهي ضربة قاسية تدفع بأسعار الخام إلى مستويات فلكية قد تتجاوز 130 دولاراً للبرميل، وتعطل مصافي التكرير في آسيا وأوروبا .
لكن الصورة الأكثر تعقيداً أن الإغلاق لا يجب أن يكون بالضرورة إيرانياً فهناك سيناريو معكوس تماماً، وهو أن تفرض الولايات المتحدة وحلفاؤها حصاراً بحرياً على إيران ذاتها، لمنع صادراتها النفطية من الوصول إلى الصين وغيرها هذا الخيار، الذي يشبه العقوبات المفروضة على فنزويلا، قد لا يغلق المضيق، لكنه يخلق أزمة إمدادات جديدة ترفع الأسعار العالمية بعشرات الدولارات، ويزج بالمنطقة في مواجهة مفتوحة وفي هذا الدوامة، تجد دول الخليج نفسها في مأزق وجودي؛ فهي قد تستفيد ظاهرياً من ارتفاع الأسعار، لكنها في الوقت نفسه ترى صادراتها مهددة، وخطوط إمدادها الغذائي معطلة، واقتصادها تحت رحمة صواريخ قد تستهدف أراضيها أو مياهها الإقليمية، فهي على حافة الهاوية تراقب كيف يمكن لسيناريو مكتوب بالحبر أن يتحول إلى واقع ملتهب بالنار والدخان .
السؤال الأكثر إلحاحاً يبقى هل الإغلاق الكلي ممكن حقاً من الناحية التقنية، نعم، فالمضيق ضيق والألغام والصواريخ المضادة للسفن كافية لتحويله إلى بحيرة موت لكن من الناحية العملية، فإن إيران تعلم أن إغلاق المضيق يعني شن حرب واسعة على القوات البحرية الأمريكية المتمركزة هناك، كما يعني حرمانها هي نفسها من عصب اقتصادها، لأن كل نفطها يصدر عبر ذات الممر لذلك، ربما تكون أسوأ السيناريوهات هي تلك التي تقع في المنطقة الرمادية، حيث تتصاعد وتيرة الهجمات دون إعلان حرب، حيث تتحول ناقلات النفط إلى أهداف عائمة، وتتحول مياه الخليج إلى ساحة اختبار لقدرة العالم على الصمود في وجه صدمة نفطية جديدة، تعيد تشكيل التحالفات وتغير ملامح الشرق الأوسط من جديد

تعليقات
إرسال تعليق