القائمة الرئيسية

الصفحات

مشورة الحباب بن المنذر في بدر


بقلم / محمـــد الدكـــروري 

جاء في غزوة بدر الكبرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتحل من ذفران، فسلك على ثنايا يقال لها الأصافر، ثم إنحط إلى بلد يقال لها الدبة وترك الحنان بيمين وهو كثيب كالجبل العظيم، ثم نزل قريبا من بدر، فركب هو وأبو بكر الصديق حتى وقفا على شيخ من العرب يقال له سفيان الضمرى الكنانى، فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أخبرتنا أخبرناك" قال "أذاك بذاك؟ قال "نعم" قال الشيخ فإنه بلغنى أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذى أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذى أخبرني صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذى فيه قريش. 


فلما فرغ من خبره قال "ممن أنتما؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "نحن من ماء" ثم إنصرف عنه والشيخ يقول "ما من ماء، أمن ماء العراق؟ وقيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر قد نظم جنده بعد أن رأى طاعة الصحابة وشجاعتهم وإجتماعهم على القتال، وعقد اللواء الأبيض وسلمه إلى مصعب بن عمير، وأعطى رايتين سوداوين إلى سعد بن معاذ، وعلي بن أبى طالب، وجعل على الساقة قيس بن أبى صعصعة، وأرسل علي بن أبى طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص فى نفر من أصحابه إلى ماء بدر، ليأتوا له بالأخبار عن جيش قريش، فوجدوا غلامين لقريش يستقيان للجيش، فأتوا بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى، فسألوهما، فقالا نحن سقاة قريش بعثونا لنسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبى سفيان، فضربوهما. 


فلما أذلقوهما قالا نحن لأبي سفيان، فتركوهما، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقال إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله، إنهما لقريش، وقال لهما أخبراني عن جيش قريش، فقالا هم وراء هذا الكثيب الذى ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما كم القوم؟ قالا كثير، قال ما عدتهم؟ قالا لا ندرى، قال كم ينحرون كل يوم؟ قالا يوما تسعا ويوما عشرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، القوم ما بين التسعمائة والألف، ثم قال لهما فمن فيهم من أشراف قريش؟ فذكرا عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبا البخترى بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدى بن نوفل، والنضر بن الحارث بن كلدة، وزمعة بن الأسود، ونبيه بن الحجاج، ومنبه بن الحجاج. 


وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه قائلا هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها، وبعد أن جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المعلومات عن جيش قريش سار مسرعا ومعه أصحابه إلى بدر ليسبقوا قريشا إلى مائها، وليحولوا بينهم وبين الاستيلاء عليه، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون عند أدنى ماء من مياه بدر، فقال الحباب بن المنذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل؟ أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال بل هو الرأى والحرب والمكيدة، قال يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض يا رسول الله بالناس، حتى تأتى أدنى ماء من القوم فننزله ونغور ما وراءه من الآبار، ثم نبنى عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون. 


فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه ونهض بالجيش حتى أقرب ماء من العدو فنزل عليه، ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من الآبار، وقيل أنه بعد نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين على أدنى ماء بدر من قريش، إقترح سعد بن معاذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء عريش له يكون مقرا لقيادته ويأمن فيه من العدو، وكان مما قاله سعد فى اقتراحه يا نبي الله، ألا نبنى لك عريشا تكون فيه ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام، يا نبى الله، ما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، ويناصحونك، ويجاهدون معك، فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير.

تعليقات