القائمة الرئيسية

الصفحات

الدراما بين حرية الإبداع ومسؤولية التأثير:


بقلم الدكتورة :ايمان سعد


تشهد الساحة الإعلامية والدرامية في السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في مشاهد العنف والبلطجة داخل بعض الأعمال الفنية، في ظل انفتاح رقمي واسع وسهولة غير مسبوقة في الوصول إلى المحتوى عبر مختلف المنصات. هذا التحول يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الرسائل التي يتلقاها الشباب، وحول الدور الذي بات يلعبه الفن في تشكيل الوعي والقيم داخل المجتمع.

لم يعد الفن مجرد مساحة للترفيه أو الهروب من ضغوط الحياة اليومية، بل أصبح إحدى أهم أدوات التأثير الثقافي والاجتماعي. ومع هذا الدور المتنامي، تتضاعف المسؤولية الملقاة على عاتق صُنّاع المحتوى، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالفئات العمرية الصغيرة والمراهقين الذين يتفاعلون بكثافة مع ما يُعرض أمامهم.

الشباب بطبيعتهم أكثر قابلية للتأثر بالنماذج الدرامية، خاصة عندما تُقدَّم هذه النماذج في إطار جذاب ومثير. وحين تُصوَّر شخصية العنيف أو البلطجي باعتبارها نموذجًا للقوة والهيمنة وفرض الاحترام، قد تتسلل — ولو بصورة غير واعية — فكرة أن العنف وسيلة مشروعة لتحقيق المكانة أو حل المشكلات. خطورة هذا التأثير لا تكمن في نتائجه المباشرة فقط، بل في طابعه التراكمي الذي يتعزز عبر التكرار والتطبيع مع السلوك العدواني.

ومع ذلك، فإن تناول قضايا العنف والجريمة في الدراما ليس أمرًا مرفوضًا في حد ذاته، فهذه الظواهر جزء من الواقع الاجتماعي، ومن حق الفن أن يناقشها ويحللها. الفارق الحقيقي يكمن في زاوية المعالجة. فالمعالجة المسؤولة تكشف خطورة العنف وتبرز عواقبه المدمرة على الفرد والأسرة والمجتمع، بينما قد تؤدي المعالجة السطحية أو المنفلتة إلى تلميعه أو تقديمه في صورة مثيرة للإعجاب.

الدراسات في علم الاجتماع وعلم النفس الإعلامي تشير إلى أن التعرض المكثف لمشاهد العنف قد يقود إلى ما يُعرف بـ"التبلد الانفعالي"، حيث يتراجع التأثر التدريجي بمشاهد العدوان، ويصبح المشاهد أكثر تقبلًا لها في الواقع. ولا يعمل هذا التأثير بمعزل عن بقية العوامل الاجتماعية، بل يتداخل مع ظروف مثل التفكك الأسري، وغياب القدوة، وضعف الوعي التربوي. الإعلام ليس العامل الوحيد، لكنه عنصر مؤثر ضمن منظومة متشابكة.

في المجتمعات العربية، حيث تحظى الدراما التلفزيونية بحضور قوي داخل الأسرة، تتضاعف حساسية التأثير. كثير من الأعمال تُعرض في أوقات الذروة، ويشاهدها الصغار والكبار معًا، في ظل غياب واضح للتصنيف العمري أو الرقابة الأسرية الكافية. كما أن المنصات الرقمية ألغت الكثير من الحواجز التقليدية، فأصبح المحتوى متاحًا في أي وقت وبلا قيود تقريبًا، مما يضع مسؤولية أكبر على المنتجين وصُنّاع المحتوى.

في المقابل، قدمت بعض الأعمال الدرامية نماذج ناجحة في معالجة قضايا العنف بعمق ومسؤولية، فكشفت الجوانب المأساوية للجريمة، وبيّنت آثارها المدمرة، وعززت قيم العدالة والقانون. هذه النماذج تثبت أن المشكلة لا تكمن في تناول الظاهرة، بل في الرسالة الضمنية التي تصل إلى المشاهد. فالفن الواعي قادر على الجمع بين التشويق والإثارة من جهة، والبعد التربوي والاجتماعي من جهة أخرى.

تحقيق التوازن بين حرية الإبداع ومتطلبات المسؤولية المجتمعية لم يعد خيارًا، بل ضرورة. هذا التوازن يمكن أن يتحقق عبر تفعيل لجان المشاهدة والتصنيف العمري، وتشجيع تقديم شخصيات إنسانية مركبة تعكس التعقيد الواقعي بدل النماذج النمطية الممجِّدة للعنف، إضافة إلى دعم الأعمال التي تبرز قيم الحوار والعمل الجماعي والاحتكام إلى القانون كبدائل حضارية للقوة الغاشمة.

إلى جانب ذلك، تبرز أهمية تنمية الوعي النقدي لدى الشباب، حتى لا يكون المتلقي مستهلكًا سلبيًا للمحتوى، بل مشاهدًا واعيًا قادرًا على التمييز بين الدراما والواقع. تعليم مهارات التفكير النقدي والإعلامي أصبح ضرورة ملحة في عصر التدفق المعلوماتي المتسارع.

ولا يمكن إغفال دور الأسرة باعتبارها خط الدفاع الأول. الحوار المفتوح مع الأبناء حول ما يشاهدونه، ومتابعة نوعية المحتوى، وتوضيح الفروق بين السلوك الدرامي والسلوك المقبول اجتماعيًا، كلها خطوات بسيطة لكنها فعالة في الحد من التأثيرات غير المرغوبة. وتظل القدوة العملية داخل البيت العامل الأقوى في تشكيل السلوك.

القضية في جوهرها ليست صراعًا بين الفن والمجتمع، بل دعوة إلى شراكة واعية بينهما. فالفن قوة ناعمة هائلة، يمكن أن تكون أداة بناء وتعزيز للقيم، أو عامل تشويه واضطراب، وفقًا لكيفية توظيفها. وفي ظل التحولات الرقمية والثقافية المتسارعة، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في فلسفة إنتاج المحتوى الموجه للشباب، بحيث يجمع بين الجرأة الفنية والوعي بالرسالة.

المجتمعات لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالوعي أيضًا. وحين يدرك صُنّاع الدراما أن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بنسب المشاهدة أو العائد التجاري، بل بمدى الإسهام في بناء وعي متوازن وناضج، تتحول الشاشة من مصدر قلق إلى مساحة إلهام ومسؤولية

تعليقات