القائمة الرئيسية

الصفحات

هل تصبح دول الخليج ساحة حرب بالوكالة أم مركزًا للاستقرار


بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي 


في خضم التحولات الجيوسياسية الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، حاليا تبرز منطقة الخليج العربي كنقطة ارتكاز محورية في معادلة الصراع الدائر بين إيران من جهة، والتحالف الأمريكي الإسرائيلي من جهة أخرى، لتجد دول المجلس نفسها أمام مفترق طرق مصيري يحدد ملامح مستقبلها لعقود قادمة، فهل ستتحول هذه الدول التي بنت نهضتها الحديثة على مشاريع التنمية والاستقرار إلى ساحة مفتوحة لحرب بالوكالة تحرق الأخضر واليابس، أم ستتمكن بفضل ثقلها الاقتصادي ودبلوماسيتها المرنة من فرض نفسها كمركز جذب للاستقرار في محيط مضطرب الواقع يشير إلى أن الإجابة على هذا السؤال تتوقف على تفاعل ثلاثي معقد يجمع التحديات الأمنية المباشرة، والطموحات الاقتصادية الطموحة، والمناورات السياسية الذكية التي باتت تميز الأداء الخليجي في السنوات الأخيرة.

منذ عقود والمنطقة الخليجية تعيش حالة من الهشاشة الأمنية بسبب موقعها الجيوسياسي الحساس وثرواتها الطبيعية الهائلة، لكن طبيعة التهديد الحالي تبدو أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، فلم يعد الخطر مقتصرًا على حروب تقليدية أو اجتياحات عسكرية، بل أصبح يتمثل في شبكة متشابكة من الصراعات بالوكالة، حيث تمتلك إيران أذرعًا عسكرية وسياسية منتشرة في أكثر من دولة عربية، من لبنان وسوريا إلى العراق واليمن، وهي أذرع يمكن تفعيلها في أي لحظة لاستهداف المصالح الخليجية أو الأمريكية في المنطقة، وفي المقابل، يبدو التعاون الأمني والاستخباراتي بين دول الخليج والولايات المتحدة وإسرائيل أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، خاصة في ظل التقارب الاستراتيجي الذي رعته اتفاقيات التطبيع، مما يضع المنطقة في قلب مواجهة مفتوحة بين معسكرين يتباريان على إعادة رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط.

الخطر الأكبر الذي يواجه الخليج اليوم يتمثل في احتمالية تحول أراضيه وأجوائه ومياهه إلى مسرح للعمليات العسكرية بين الخصوم، فالضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، والتي باتت تنفذ أحيانًا عبر الأجواء الخليجية أو انطلاقًا من قواعد أمريكية فيها، تنذر بجر المنطقة إلى مستنقع صراع شامل لا يمكن التحكم في تبعاته، كما أن استهداف المنشآت النفطية وناقلات النفط في مياه الخليج والمضائق الحيوية مثل مضيق هرمز ليس سيناريو افتراضيًا، بل هو واقع مؤلم اختبرته الدول الخليجية في السنوات الأخيرة، وشكل ضربة قاسية لاقتصاداتها وسمعتها كمركز آمن للطاقة والاستثمارات العالمية، هذا الوضع يضع صناع القرار الخليجي أمام معادلة صعبة تتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات التحالف الاستراتيجي مع الغرب وبين تجنب الانجرار إلى حرب مفتوحة مع جارة إقليمية تمتلك القدرة على إحداث دمار هائل في المنطقة.

في مقابل هذه التحديات الأمنية الجسيمة، تمتلك دول الخليج أوراق قوة استثنائية تجعل منها مرشحًا طبيعيًا لدور محوري في استقرار المنطقة، فالثروات المالية الضخمة التي راكمتها عقود من تصدير النفط، والاستثمارات التنموية الكبرى التي غيرت وجه المدن الخليجية، والمشاريع الطموحة التي تتبناها رؤى مستقبلية مثل رؤية السعودية ٢٠٣٠ ورؤية الإمارات ٢٠٧١، كلها عوامل تجعل من الاستقرار ضرورة وجودية لا رفاهية سياسية، هذه الدول تبني نهضتها على أساس الانفتاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات والسياحة والابتكار، وكلها عوامل لا تزدهر إلا في بيئة يسودها الأمن والسلام، لهذا نلاحظ أن الدبلوماسية الخليجية اتجهت إلى سياسة التهدئة وتجنب التصعيد، من خلال فتح قنوات حوار مباشرة مع إيران، وتعزيز الشراكات الاقتصادية مع جميع الأطراف، والانفتاح على آسيا والصين وروسيا كخيارات استراتيجية موازية للتحالف الغربي التقليدي، بهدف تنويع العلاقات وتقليل الاعتماد على معسكر واحد.

إن التحولات الكبرى في النظام الدولي، والتي تتجه نحو التعددية القطبية وتراجع الهيمنة الأمريكية الأحادية، تمنح الخليج هامشًا أوسع للمناورة السياسية، فلم تعد دول المنطقة مجرد أدوات في لعبة القوى الكبرى، بل أصبحت فاعلًا مؤثرًا يمتلك القدرة على التأثير في مسارات الأحداث، من خلال استضافتها لقمم عالمية، ووساطتها في أزمات إقليمية ودولية، واستثماراتها العابرة للقارات، واستضافتها لفعاليات رياضية وثقافية تضعها على الخريطة العالمية، كل هذا يجعل من الخليج قيمة مضافة للاستقرار العالمي وليس مجرد ساحة للصراع، ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو ترجمة هذه القوة الناعمة والاقتصادية إلى نفوذ سياسي حقيقي قادر على ردع الأطراف المتصارعة عن تحويل المنطقة إلى ساحة حرب، فالقوة العسكرية وحدها لا تصنع الاستقرار، لكن غياب الردع الاستراتيجي الواضح يجعل المنطقة عرضة للابتزاز والتهديد.

في الختام، يمكن القول إن مستقبل الخليج في ظل الاحتقان الحالي سيتحدد بمدى قدرة هذه الدول على توظيف ثقلها الاقتصادي ودبلوماسيتها الذكية لصياغة معادلة أمنية جديدة تنقلها من موقع التابع إلى موقع الشريك الفاعل في رسم ملامح الشرق الأوسط الجديد، فإذا نجحت القيادات الخليجية في تحويل تحديات الصراع إلى فرص للتعاون الإقليمي والتنمية المشتركة، فإن الخليج سيتحول بالفعل إلى مركز جذب للاستقرار والازدهار في محيط مضطرب، أما إذا فشلت في السيطرة على تداعيات الصراع الدائر، فستجد نفسها مجرورة إلى هاوية حرب بالوكالة تحول أحلامها التنموية إلى كوابيس أمنية تعيد المنطقة عقودًا إلى الوراء، الرهان اليوم على الحكمة الخليجية التي أثبتت في أكثر من محطة أنها قادرة على المشي على حبال السياسة الدولية بثبات واقتدار، وأن مستقبل هذه المنطقة لن يكون مجرد انعكاس لصراعات الآخرين، بل نتاج رؤية واضحة لأبنائها الذين أدركوا أن السلام والتنمية هما الخيار الاستراتيجي الوحيد القادر على ضمان البقاء والازدهار في عالم سريع التغير.

تعليقات