الإخبارية نيوز :
في خضم التصعيد الإقليمي الأخير، انعقد مجلس جامعة الدول العربية في دورة طارئة، وأصدر بيانه الختامي رقم 9241، الذي وصفه الأمين العام أحمد أبو الغيط بأنه رسالة وحدة عربية في مواجهة أي اعتداء على السيادة. لكن السؤال الجوهري: هل يمثل هذا البيان نقلة نوعية في العمل العربي المشترك، أم يظل مجرد موقف عابر تفتقر آلياته إلى الفعل؟ والأهم، كيف نبني عليه استراتيجية سيادية حقيقية؟.
الإيجابيات في البيان
لا يمكن تجاهل ما حمله القرار من نقاط قوة:
· إعلان الصف الواحد: نجح في إبراز موقف عربي موحد لفظياً، مؤكداً أن أي اعتداء على دولة عضو هو اعتداء على الجميع، وفقاً لميثاق الجامعة ومعاهدة الدفاع المشترك.
· شمولية الاستهداف: ضم قائمة واضحة بالدول المعتدى عليها (الأردن، الإمارات، البحرين، السعودية، عمان، قطر، الكويت، العراق)، مما يعزز مفهوم «عربية التهديد» كخطر مشترك.
· حق الدفاع عن النفس: استند صراحة إلى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، مانحاً شرعية قانونية لأي تحرك عربي مستقبلي، فردي أو جماعي.
· حماية المدنيين: أدان استهداف الأعيان المدنية، وهو موقف أخلاقي وقانوني مهم.
الثغرات التي كشفها الاجتماع
رغم تلك الإيجابيات، يعاني البيان من إشكاليات منهجية:
· بينما يدين الهجمات الإيرانية، يتجاهل الوجود العسكري الأمريكي الواسع في نفس الدول. فكيف نطالب بسيادة كاملة ونحن نؤوي قواعد أجنبية تدير عملياتها من أراضينا؟ منطق السيادة يجب أن يكون واحداً تجاه الجميع.
· غياب الآليات التنفيذية: توقف البيان عند الإدانة والدعوة لمجلس الأمن، دون خطوات عربية عملية: لا مقاطعة دبلوماسية، ولا إجراءات اقتصادية، ولا تحرك عسكري جماعي.
· تبعية القرار: بإلقاء المسؤولية على مجلس الأمن، يُظهر البيان تقليلاً عربياً عن حماية النفس، ويُخضع الإرادة الجماعية لفيتو القوى الكبرى.
· إقصاء التهديد الإسرائيلي: خلا البيان من أي إشارة إلى الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في لبنان وسوريا وفلسطين، وكأنه ليس تهديداً مباشراً للسيادة.
الحلول التي تغيب عن النقاش الرسمي
إذا أردنا تحويل الموقف من رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي، فلا بد من:
1. تفعيل المادة 51 عربياً
البيان أشار إليها، لكن المطلوب إنشاء غرفة عمليات عربية مشتركة ترد فورياً على أي عدوان، دون انتظار مجلس أمن مشلول.
2. تطبيق «عربية التهديد» على الجميع
الوجود العسكري الأمريكي هو أيضاً تهديد دائم للسيادة، لأنه يجعل القرار العسكري مرتهناً لإرادة خارجية. الحل: وضع جدول زمني ملزم لإنهاء جميع القواعد الأجنبية.
3. «فطام السيادة»: تصفير القواعد الأمريكية
لا يمكن السكوت عن القواعد الأمريكية بينما نندد بالقصف الإيراني. السيادة لا تتجزأ، والمطالبة بـ«تصفير القواعد» هو اختبار الصدقية الأوضح.
4. بناء قدرات ردع عربية
العجز العسكري هو ما يستدعي الوجود الأجنبي. المطلوب نظام دفاعي عربي متكامل يحمي الأرض بيد أبنائها.
الخلاصة.. بين البيان والميدان
اجتماع الجامعة خطوة ضرورية، لكنها غير كافية. ما نريده هو استكمال منطق البيان: إذا كنتم صفاً واحداً ضد التهديدات، فكونوا كذلك ضد جميع التهديدات، وفي مقدمتها الوجود الأجنبي. السيادة الحقيقية تبدأ حين يصبح القرار وطنياً والدفاع عربياً خالصاً.
ما بعد البيان: هل اقتربت لحظة «فطام السيادة»؟
بينما يوقع الوزراء على القرار، يرسم الميدان معادلات جديدة:
· «فشل الردع الأمريكي»: الخسائر الفادحة تكشف أن الماكينة العسكرية الأمريكية قابلة للكسر. وعندما تدرك واشنطن أن صواريخها الباهظة تتصدى لمسيّرات رخيصة، وأن مضيق هرمز أصبح خارج السيطرة، يتحول وجودها من «حماية» إلى «مغناطيس دمار».
· «شرخ المحور»: تقارير أكسيوس ونيويورك تايمز تؤكد أول خلاف كبير بين واشنطن وتل أبيب. إسرائيل تريد حرق المراحل، وأمريكا تخشى تفجر المنطقة. هذا التناقض بين «الجنون التوراتي» و«البراغماتية الترامبية» يقربنا من «طلاق استراتيجي» يفرض التهدئة.
· «طبقة إبستين» عرّابة الحرب: خلف المغامرة تقف المافيا العالمية ذاتها التي روّجت لأكاذيب الدوحة وفضائح إبستين. كشف زيفها يسقط الشرعية الأخلاقية عن الحرب.
الخلاصة النهائية:
ترامب لا يتوقف بالشعارات، بل حين تعلو التكلفة على المكاسب. عندما تُفعّل المادة 51 عربياً، وتتحول القواعد الأمريكية إلى هدف «فطام سيادة»، وعندما تتحرك القوى الكبرى لكسر الأحادية، وعندما يفضح العالم زيف «طبقة إبستين»، هنا فقط يدرك تاجر الصفقات أن الرحيل أرخص من البقاء.

تعليقات
إرسال تعليق