بقلم الدكتور:احمد صفوت السنباطي
في مشهد يعكس أعمق تناقضات السياسة الدولية، اجتمع مجلس الأمن الدولي في آذار 2026 ليصدر قراره التاريخي رقم 2817، الذي حصل على 13 صوتًا مؤيدًا وامتناع روسيا والصين عن التصويت، مطالبًا إيران بالوقف الفوري لهجماتها على دول الخليج وجارتها الأردن، في قرار وصف الهجمات الإيرانية بأنها "انتهاك صارخ للقانون الدولي" و"تهديد خطير للسلم والأمن الدوليين" وقد حظي القرار الذي تقدمت به البحرين بتأييد 135 دولة عضو، في إجماع دولي واسع استنكر استهداف إيران بالصواريخ والمسيرات لأراضي الإمارات والسعودية والبحرين وقطر والكويت وعمان، إلى جانب ضربات استهدفت سفنًا تجارية في مضيق هرمز وهددت حرية الملاحة الدولية التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد العالمي.
غير أن اللافت في هذا القرار، الذي يصدر عن أعلى هيئة معنية بحفظ السلم الدولي، هو الصمت المطبق تجاه السياق الكامل الذي جاءت فيه هذه الهجمات، فالوثيقة التي تبنتها الدول الغربية والخليجية مجتمعة، خلت من أي ذكر أو إدانة للضربات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية التي استهدفت الأراضي الإيرانية وأدت إلى مقتل مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي، إلى جانب أكثر من 1300 مدني إيراني في قصف واسع شمل مدارس ومناطق سكنية، وهو ما دفع السفير الإيراني لوصف تلك الضربات بأنها "جريمة حرب" أمام المجلس نفسه قبل أسابيع فقط هنا يكمن جوهر الإشكالية القانونية والسياسية التي يثيرها هذا القرار، وهي ما عبرت عنه روسيا بوضوح على لسان مندوبها فاسيلي نيبينزيا، الذي برر امتناع بلاده عن التصويت بأن النص "غير متوازن على الإطلاق" وأنه يتجاهل الضربات التي بدأت الحرب، مما قد يخلق انطباعًا بأن إيران هي من بدأت العدوان من فراغ دونما سبب، وأن مجلس الأمن بموافقته على هذا التجاهل يمنح شرعية ضمنية للضربات الأمريكية الإسرائيلية.
هذا التساؤل يتعمق أكثر عندما نعلم أن المجلس نفسه رفض مشروع قرار روسيًا بديلًا كان يدعو لوقف شامل لإطلاق النار وحماية المدنيين دون إلقاء اللوم على طرف بعينه، وهو الرفض الذي يؤكد أن الأولوية لم تكن لوقف العنف بقدر ما كانت لـ"توجيه اللوم" للطرف الإيراني حصرًا ووسط هذا الجدل القانوني، يبرز تساؤل مشروع حول مبدأ الحق في الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، فبينما اعتبرت دول الخليج أن ضرباتها لإيران تمت دفاعًا عن النفس ضد هجماتها، ووصف السفير الأمريكي مايك والتز الضربات الأمريكية بأنها "إجراءات قانونية" لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، يرى الجانب الإيراني أن ما جرى هو عدوان سافر استخدم فيه المجلس كأداة لإضفاء الشرعية على المعتدي بينما يُجرّم الضحية عندما تمارس حقها في الرد، على حد قول السفير أمير سعيد إيرواني الذي وصف القرار بأنه "إجحاف واضح ضد بلدي، الضحية الرئيسية لعدوان مكشوف".
هذا الانقسام الحاد في أروقة الأمم المتحدة لم يقتصر على الخطاب السياسي، بل امتد ليعكس حالة الاستقطاب الدولي الأوسع، فبينما احتفت دول الخليج بالقرار واعتبرته رسالة واضحة بأن أمن المنطقة "مسؤولية دولية مشتركة" ورأت فيه الإمارات موقفًا دوليًا صريحًا يرفض هذه الهجمات ويزيد من عزلة إيران، وقفت الصين وروسيا في الزاوية المقابلة مكتفيتين بالامتناع عن التصويت تأكيدًا على رفضهما لهذا "التوظيف السياسي" لمجلس الأمن، وهو ما دفع طهران لوصف ما حدث بأنه "يوم مؤسف" و"وصمة عار" في سجل المجلس، وأن الدول التي تقف خلف القرار، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي كانت تتولى رئاسة المجلس وقتها، إنما تسيء استخدام ولاية الهيئة الأممية لخدمة أجنداتها السياسية الضيقة على حساب مبادئ القانون الدولي التي يفترض أن تطبق على الجميع دون انتقائية أو ازدواجية معايير، خاصة وأن المجلس ظل صامتًا عندما تعرضت مواقع إيرانية لقصف إسرائيلي متكرر في سوريا، ولم يصدر أي قرار يدين تلك الضربات التي يعتبرها خبراء القانون الدولي انتهاكًا صريحًا لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، مما يعيد للأذهان دائمًا سؤال العلاقة بين القانون الدولي وتوازنات القوى الذي يظل السؤال الأكثر إلحاحًا في العلاقات الدولية المعاصرة

تعليقات
إرسال تعليق