الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في موسم رمضاني مزدحم بالأصوات والصور والوجوه والإعلانات التي تتزاحم على ذاكرة المشاهد قبل عينه، نجحت النجمة جنات في أن تخطف القلوب من اللحظة الأولى، لا بألبوم جديد ولا بحفل ضخم ولا بظهور تلفزيوني تقليدي، وإنما بدقائق معدودة داخل إعلان رمضاني بسيط في مدته، عميق في أثره، لتصنع حالة وجدانية نادرة أعادت تعريف معنى أن يكون الإعلان أغنية، وأن تكون الأغنية حكاية شخصية تمس كل بيت وكل قلب.
ظهورها لم يكن مجرد مشاركة دعائية عابرة كما اعتاد الجمهور من نجوم كثيرين في هذا الموسم، بل بدا وكأنه عودة عاطفية كاملة لصوت ارتبط في وجدان الناس بالدفء والرومانسية والصدق، فبمجرد انطلاق أول جملة غنائية، سادت حالة صمت غير معلنة على مواقع التواصل، ثم انفجرت التعليقات دفعة واحدة، بين من يكتب: “رجعتينا لأيام زمان”، ومن يعترف: “الأغنية خلتني أعيط من غير ما أحس”، ومن يتساءل بحيرة صادقة: “ليه الإحساس ده كله يروح لإعلان بس؟”.
جنات، التي لطالما تميزت بنبرة صوتها الحنونة وقدرتها الغريبة على لمس المنطقة الأكثر هشاشة في القلب، لم تعتمد على استعراض طبقاتها الصوتية أو أداء مبالغ فيه، بل اختارت البساطة القاتلة، الأداء الهادئ الذي يشبه الهمس، والنظرة الصادقة التي تقول أكثر مما تقوله الكلمات، وكأنها لا تغني لجمهور واسع، بل تغني لشخص واحد يجلس وحيدًا أمام ذكرياته في ليلة رمضانية طويلة، وهو ما جعل الإعلان يتحول من مادة ترويجية إلى مشهد إنساني كامل.
لكن المفارقة التي صنعت الجدل أن هذا النجاح الساحق لم يمر بهدوء، بل صاحبه عتاب جماهيري واسع، عتاب لا يخلو من الحب، ولا يخفي الغضب، إذ شعر كثيرون أن صوتًا بهذا النقاء كان يستحق أغنية مستقلة تعيش لسنوات، لا أن يُحبس داخل إطار إعلان قد يُنسى بانتهاء الموسم، فامتلأت التعليقات بعبارات مثل: “حرام الأغنية دي تكون إعلان”، و”كنا عايزينها سينجل رسمي”، و”ليه تحرمينا من أغنية كاملة بالإحساس ده؟”.
هذا التناقض بين الإشادة واللوم خلق حالة نادرة، حيث تحولت جنات إلى حديث السوشيال ميديا لأيام متتالية، ليس بسبب فضيحة أو تريند مفتعل، بل بسبب أغنية قصيرة أيقظت مشاعر حقيقية، وهي عملة نادرة في زمن السرعة والاستهلاك، حتى أن البعض اعتبر ما حدث “انهيارًا عاطفيًا جماعيًا”، بعدما تداول الجمهور مقاطعهم وهم يبكون أو يعيدون المقطع عشرات المرات، وكأنهم يتعلقون بلحظة لا يريدون لها أن تنتهي.
اللافت أيضًا أن الإعلان لم يعتمد على بهرجة إنتاجية ضخمة أو مواقع تصوير مبهرة، بل ارتكز بشكل شبه كامل على صوت جنات وحضورها الإنساني، وهو رهان صعب لا ينجح إلا مع فنانة تملك صدقًا فطريًا يجعل الكاميرا تحبها قبل الجمهور، لذلك بدت اللقطات بسيطة لكنها موجعة، عادية لكنها مليئة بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه البيوت المصرية في رمضان، من لمّة العيلة إلى الذكريات القديمة إلى الشوق لمن غابوا، فصار صوتها الخلفية الموسيقية لمشاعر الناس الشخصية.
ومع تصاعد الجدل، انقسم الجمهور إلى فريقين؛ فريق يرى أن الإعلان فرصة ذكية أعادت جنات إلى الواجهة بقوة بعد فترة هدوء نسبي، وفريق آخر يعتبر أن مكانة صوتها أكبر من الإعلانات، وأنها تستحق مشروعًا غنائيًا ضخمًا يليق بتاريخها وإحساسها، لكن الفريقين اتفقا على شيء واحد لا خلاف عليه: الأداء كان استثنائيًا، والإحساس صادقًا لدرجة الوجع.
ربما السر الحقيقي في كل ما حدث أن جنات لم تتعامل مع الأغنية كـ”شغل إعلان”، بل كأنها تسجل قطعة من روحها، غنت وكأنها تحكي قصة شخصية تخصها هي، لا منتجًا تجاريًا، وهذا الفارق الدقيق هو ما يصنع الفارق دائمًا بين عمل يُسمع وعمل يُشعر، بين أغنية تمر مرور الكرام وأخرى تسكن القلب.
ف، أثبتت جنات أن القوة ليست في طول الأغنية ولا في ميزانية العمل، بل في صدق الصوت، وأن دقيقة واحدة بإحساس حقيقي قد تهز جمهورًا كاملًا أكثر من ألبوم كامل بلا روح، وبين العتاب والحب، وبين الدموع والإشادة، خرجت من الموسم الرمضاني رابحة أكبر معركة فنية ممكنة: أن تجعل الناس يشعرون… ثم يطالبون بالمزيد.

تعليقات
إرسال تعليق