لم تكن تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، مجرد زلة لسان عابرة أو اجتهاد شخصي في قراءة نصوص دينية، بل بدت وكأنها تعبير صريح عن رؤية أيديولوجية تتجاوز حدود العمل الدبلوماسي التقليدي. فعندما يتحدث سفير دولة عظمى عن “حق توراتي” يمتد من النيل إلى الفرات، فإن الأمر لا يقف عند حدود الرمز الديني، بل يدخل مباشرة في صميم الجغرافيا السياسية والسيادة الوطنية لدول المنطقة.
الدبلوماسية في جوهرها لغة اتزان وحسابات دقيقة، لا تحتمل الانزلاق إلى خطابات دينية ذات طابع توسعي. فالعلاقات الدولية تُدار وفق قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لا وفق تأويلات تاريخية أو نصوص مقدسة يُعاد توظيفها في سياق سياسي معاصر. ومن هنا جاء الغضب العربي واسعًا، لأن التصريحات مست جوهر فكرة الدولة الوطنية وحدودها المعترف بها دوليًا.
اللافت أن هذه التصريحات جاءت في توقيت شديد الحساسية، في ظل استمرار الحرب في غزة، وتصاعد التوتر الإقليمي، وتراجع فرص التسوية السياسية. ففي وقت تتحدث فيه الأطراف الدولية عن “حل الدولتين” وضرورة العودة إلى مسار السلام، يخرج خطاب يفتح الباب أمام سرديات توسعية تُذكّر بأكثر أطروحات اليمين الإسرائيلي تشددًا، وهو ما يضع واشنطن في موقف حرج بين خطابها الرسمي ومواقف بعض ممثليها.
سياسيًا، يمكن قراءة هذه التصريحات في إطار صعود التيار المحافظ الديني داخل بعض دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، وهو تيار يرى الصراع في الشرق الأوسط من زاوية عقائدية بقدر ما هو سياسي. غير أن تحويل هذه الرؤية إلى خطاب رسمي أو شبه رسمي يهدد بتقويض صورة الولايات المتحدة كوسيط تقليدي في الصراع العربي الإسرائيلي.
إقليميًا، أثارت التصريحات مخاوف حقيقية من إعادة إنتاج مفهوم “إسرائيل الكبرى” في الخطاب السياسي، حتى وإن لم يكن مطروحًا كخطة عملية. فالكلمات في السياسة ليست مجرد أصوات، بل رسائل موجهة، وإشارات تُقرأ بعناية في العواصم العربية. ومن هنا جاء الرفض الحاسم من عدة دول عربية، التي رأت في هذا الطرح انتهاكًا صريحًا لمبادئ السيادة ووحدة الأراضي.
أما على المستوى القانوني، فإن أي حديث عن حقوق تاريخية أو دينية لا يمكن أن يعلو فوق قرارات الشرعية الدولية. فحدود الدول تُرسم بالاتفاقيات والقوانين، لا بالرموز والأساطير. وأي تهاون في هذا المبدأ يفتح الباب أمام فوضى دولية لا يمكن احتواؤها.
تكشف هذه الأزمة عن معركة أعمق تدور في المنطقة: معركة بين منطق الدولة الوطنية الحديثة، ومنطق السرديات الأيديولوجية العابرة للحدود. وبينما تسعى شعوب الشرق الأوسط إلى الاستقرار والتنمية، فإن مثل هذه التصريحات تعيد إشعال مخاوف الماضي، وتؤكد أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على تأويلات دينية، بل على اعتراف متبادل بالحقوق والحدود والكرامة الإنسانية.
ويبقى السؤال الأخطر: هل كانت تلك التصريحات مجرد موقف فردي، أم مؤشرًا على تحولات أعمق في طريقة قراءة واشنطن لمستقبل المنطقة؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط لا يحتمل مزيدًا من الخطابات التي تصب الزيت على نار مشتعلة بالفعل.

تعليقات
إرسال تعليق