في الدول المستقرة، تمر القرارات السيادية الكبرى بهدوء، لكن في الدول المحورية – وفي القلب منها مصر – فإن أي تغيير في موقع بحجم وزير الدفاع لا يُقرأ باعتباره إجراءً إداريًا، بل يُفهم في سياق أوسع يرتبط بإعادة ضبط إيقاع الدولة مع تحديات الداخل وضغوط الإقليم.
تغيير وزير الدفاع في هذا التوقيت تحديدًا يعكس إدراكًا عميقًا بأن المرحلة الراهنة ليست تقليدية. المنطقة من حولنا تعيش حالة سيولة غير مسبوقة؛ حدود ملتهبة، توازنات تتحرك، وتحالفات يعاد تشكيلها. ومن ثم فإن المؤسسة العسكرية – باعتبارها صمام أمان الدولة – تحتاج إلى قيادة تتوافق خبراتها مع طبيعة المرحلة المقبلة لا المرحلة الماضية.
القرار لا يُختزل في شخص، بل في وظيفة ودور. فالدولة حين تعيد ترتيب مفاتيح القوة، فإنها تفعل ذلك وفق حسابات دقيقة تتعلق بالأمن القومي، والجاهزية الاستراتيجية، ورسائل الطمأنة للداخل، ورسائل الردع للخارج.
كما أن المؤسسة العسكرية المصرية تقوم على تقاليد راسخة في تداول المواقع القيادية وفق رؤية مؤسسية منضبطة، بعيدًا عن منطق المفاجآت أو الصراعات. ولذلك فإن التغيير – في جوهره – يعكس حيوية داخل المنظومة لا اضطرابًا فيها.
المرحلة المقبلة تبدو عنوانها “إدارة المخاطر قبل وقوعها”، وهو ما يتطلب عقلًا عسكريًا قادرًا على قراءة الخرائط السياسية بقدر قراءة الخرائط الميدانية. وفي عالم تتغير فيه موازين القوى سريعًا، تصبح المرونة القيادية جزءًا من أدوات الردع نفسها.
إن تحريك هذا المنصب السيادي في هذا التوقيت يبعث برسالة واضحة: أن الدولة تراجع أوراقها باستمرار، وأن الأمن القومي ليس ملفًا ساكنًا، بل معادلة متحركة تحتاج إلى تحديث أدواتها كلما تبدلت الظروف.
تبقى الحقيقة الثابتة أن قوة الدولة لا تقف عند حدود الأسماء، بل تستند إلى مؤسسات راسخة قادرة على الاستمرار والتجدد في آنٍ واحد.

تعليقات
إرسال تعليق