بقلم/نشأت البسيوني
في داخل كل إنسان مساحة خفية لا يراها أحد مساحة تتسع للأحلام التي لم تتحقق وللأوجاع التي لم تحك وللذكريات التي يظن أنه نسيها بينما هي تتشبث به بصمت عميق هذه المساحة هي التي تحدد لحظات القوة ولحظات الانكسار وهي التي تصنع الفرق بين من يسقط عند أول عثرة ومن ينهض رغم كل الهزائم التي مرت فوق كتفيه ومهما تغيرت الأيام وتبدلت الظروف يبقى هناك جزء
صغير يقاوم مهما تعرض للخذلان يبقى هناك شيء يقول للإنسان إنه ما زال قادرا على إعادة بناء ما تهدم وعلى جمع شتاته وعلى الوقوف في مواجهة ما ظنه أكبر منه في السابق وكل ذلك يحدث دون ضوضاء لأن أعظم التحولات تحدث في أعماق هادئة لا يراها أحد لكنها تغير كل شيء والغريب أن أقسى اللحظات هي التي تكشف الحقيقة لحظة عندما يقف الإنسان بين ما يريده وما يخاف
منه بين ما يستحقه وما اعتاد عليه بين الطريق السهل والطريق الصحيح حينها فقط يعرف أن الروح التي قاومت كل هذا الوقت ليست ضعيفة كما ظن وليست هشة كما اعتقد بل قوية بما يكفي لتنهض كلما سقطت وتتعلم كلما انكسرت وتبحث عن نور جديد كلما حاول الظلام أن يبتلعها وفي الطريق الطويل الذي يقطعه الإنسان نحو نفسه يكتشف أن المشاعر لا تقاس بالسنوات بل بالصدق وأن
الوجود لا يقاس بالكثرة بل بالتأثير وأن الكلمة الصادقة قد تغير حياة وأن العطاء الحقيقي ليس ما يراه الآخرون بل ما يقدمه دون انتظار مقابل وفي كل خطوة يتعلم الإنسان أن الهدوء قوة وأن الصمت حكمة وأن التراجع أحياناً بطولة لا هروبا ومع مرور الوقت يدرك الإنسان أنه لم يكن بحاجة إلى معجزة بل كان بحاجة إلى أن يفهم ما بداخله بحاجة إلى أن يعيد ترتيب قلبه أن يفرز ما يستحق
البقاء مما يستنزف روحه أن يختار النور ولو كان ضعيفا على الظلام ولو كان واسعًا وأن يمنح نفسه فرصة للراحة والطمأنينة بعيدا عن كل ما أثقله وجرده من طاقته يتضح أن الروح التي ترفض السقوط ليست تلك التي لم تهزم قط بل التي هزمت كثيرا ولم تستسلم تلك التي تعرف أن الألم جزء من الطريق لكن النهاية ليست في الألم بل في القدرة على تجاوزه وأن الإنسان لا يقاس
بعدد المرات التي انكسر فيها بل بعدد المرات التي استطاع فيها أن يجمع نفسه ويبدأ من جديد

تعليقات
إرسال تعليق