هنا نابل | بقلم المعز غني
في نابل ، حين يقترب شهر مارس ، لا يكون الربيع مجرّد فصلٍ عابر ، بل موعداً سنوياً مع الجمال ، مع الفكرة حين تتحوّل إلى فعل ، ومع الثقافة حين تخلع عنها ثوب النخبوية وتلبس روح المدينة .
هكذا يعود مهرجان “ تجلي” في دورته الخامسة ، لا كحدثٍ ثقافي عادي ، بل كتجربة وجدانية وفكرية ، تفتح أبوابها للضوء ، وتدعونا إلى التأمل ، إلى الإصغاء العميق لنبض الإبداع ، وإلى إكتشاف ما خفي من جمال الروح الإنسانية .
من 05 إلى 15 مارس 2026، تتحوّل دار الثقافة نابل والمركب الثقافي نيابوليس إلى فضاءين نابضين بالحياة ، يحتضنان فعاليات هذا المهرجان الذي تنظمه المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بنابل بالشراكة مع المؤسستين الثقافيتين، في تناغم يؤكد أن الثقافة لا تُبنى بالجهد الفردي ، بل بالرؤية المشتركة والإيمان العميق بدورها في صياغة الوعي الجماعي .
“تجلي”… حين يصبح الفن صلاةً أخرى
الموسيقى الصوفية والروحية ...
إسم المهرجان ليس إعتباطياً .
“ تجلي” كلمة تختصر الفكرة والرسالة : إنكشاف الجمال ، صفاء الرؤية ، ولقاء الإنسان بذاته عبر الفن.
هو مهرجان لا يكتفي بالعرض ، بل يسعى إلى الحوار، لا يقدّم الأعمال كمنتج جاهز ، بل كدعوة للتفكير ، وكجسر بين المبدع والمتلقي .
في “ تجلي”، لا يكون المسرح مجرد خشبة ، ولا اللوحة مجرد ألوان ، ولا الموسيقى مجرد نغم … بل تتحول كل هذه العناصر إلى لغة واحدة ، تقول ما تعجز الكلمات عن قوله وتلامس تلك المساحة الخفية بين العقل والقلب .
نابل… مدينة تحتفي بثقافتها
ليست نابل غريبة عن الفعل الثقافي .
هذه المدينة التي عرفت التاريخ ، وأحتضنت الحضارات ، وراكمت الذاكرة ، تثبت مرة أخرى أنها قادرة على أن تكون حاضنة للإبداع ، وموطناً للمبادرات التي تضع الثقافة في قلب الحياة اليومية .
مهرجان “ تجلي” هو إمتداد لهذه الروح.
هو مرآة تعكس صورة نابل وهي تفتح ذراعيها للفنانين ، للمفكرين ، للشباب ، ولعشّاق الجمال ، مؤكدة أن الثقافة ليست ترفاً ، بل حاجة ، وليست هامشاً ، بل جوهر المدينة.
دورة خامسة… نضج التجربة واتساع الرؤية
الدورة الخامسة ليست مجرد رقم ، بل مرحلة نضج .
هي ثمرة تجارب سابقة ، ودليل على إصرار القائمين على المهرجان على ترسيخ هذا الموعد الثقافي ، وتطويره ، وجعله أكثر أنفتاحاً وعمقاً .
عشرة أيام من الفعاليات ، من اللقاءات ، من العروض ، من النقاشات ، التي تجعل من “ تجلي” مساحة حرة للتعبير ، ومنصة تلتقي فيها الأجيال ، وتتقاطع فيها الرؤى ، وتُصاغ فيها أسئلة الفن والإنسان .
الثقافة … حين تصنع المعنى
في زمن تتسارع فيه الإيقاعات ، ويضيق فيه هامش التأمل ، يأتي مهرجان “ تجلي” ليذكّرنا بأن الثقافة فعل مقاومة ، وأن الفن قادر على إعادة ترتيب الفوضى داخلنا وعلى منحنا لحظة صدق مع الذات .
هو مهرجان لا يعد بالفرجة فقط ، بل يعد بالمعنى .
لا يكتفي بأن يمرّ ، بل يترك أثراً .
ولا يسعى إلى الإبهار السطحي ، بل إلى الإضاءة العميقة .
هنا نابل ، تتجلى الثقافة في أجمل صورها …
وتثبت مرة أخرى أن هذه المدينة ، رغم كل شيء ، ما زالت تؤمن بأن الجمال يستحق أن يُحتفى به ، وأن الإبداع طريقٌ من طرق الحياة.
بقلم المعز غني
عاشق الترحال وروح الاكتشاف

تعليقات
إرسال تعليق