القائمة الرئيسية

الصفحات

هيا عبد السلام… فنّ الهدوء الذي هزم الصخب ..كيف صنعت بطلة «جناية حب» حضورًا إنسانيًا عميقًا جعل الكاميرا تصدّقها قبل الجمهور؟



الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر


في عالم الدراما الخليجية، حيث يختلط الضجيج بالإيقاعات السريعة والوجوه المتكررة، تبرز أحيانًا ممثلة لا تحتاج إلى الصخب لتفرض وجودها، ممثلة تصنع حضورها من هدوء داخلي عميق ومن فهم نادر للنفس البشرية، هذا ما جعل هيا عبد السلام واحدة من أبرز نجمات الموسم، وخصوصًا بعد النجاح اللافت لمسلسل جناية حب في رمضان 2026، حيث تمكنت من جعل المشاهد يشعر وكأنه يعيش اللحظة معها وليس فقط يشاهد تمثيلًا. فهيا لم تعتمد على الانفعالات المبالغ فيها أو على الصراخ لإثبات حضورها، بل على فهم دقيق لكل خلية في شخصيتها، كل نبضة شعور، وكل تردد داخلي يجعل الشخصية حقيقية ومتصلة بعالم المشاهد، وأصبحت كل حركة لها، كل نظرة، كل همسة على الشاشة بمثابة نبض صامت يحمل داخله آلاف التفاصيل التي تشعر بها دون أن تُفصح عنها بالكلام أو بالعرض المباشر، وهذا النوع من التمثيل الصعب يتطلب مزيجًا نادرًا من الذكاء، الحساسية، الانضباط، والقدرة على قراءة النصوص بعمق لا يكتفي بسطح الحروف، بل يذهب إلى ما وراء الكلمات، إلى الدوافع الخفية، إلى الصراعات الداخلية غير المعلنة التي تجعل كل شخصية متعددة الأبعاد، وهنا يظهر الفن الحقيقي كمرآة للحياة، كأنك تشاهد نفسك في شخصية أخرى، فتتحول كل مشاعرها، فرحها، حزنها، شكوكها، وأخطاؤها إلى تجربة إنسانية مشتركة، وهذا بالتحديد ما نجحت هيا في فعله في «جناية حب»،


 حيث استطاعت أن تجعل المشاهد يعيش الحكاية معها، يتنفس مع الشخصية، يشعر بالقرار الخاطئ قبل أن يُتخذ، ويشاركها الصمت قبل أن تتحدث، فتصبح كل لحظة على الشاشة مشهدًا حيًا يرفض الانقضاء بعد انتهاء الحلقة.

إن الإبداع عند هيا ليس مجرد موهبة فطرية، بل نتيجة وعي متواصل ودراسة دقيقة لكل دور، فهي تضع نفسها دائمًا في موقع الشخصية، تسأل نفسها: ماذا تشعر الآن؟ ما الذي تحاول إخفاءه؟ ما الذي ترغب فيه ولم تُصرّح عنه؟ ومن خلال هذا التحليل النفسي المتقن، يتحول الأداء إلى أكثر من مجرد تمثيل، يصبح رحلة اكتشاف للنفس البشرية، لا تنحصر على الكاميرا ولا على النص، بل تمتد إلى كل نظرة، وكل حركة، وكل هامسة صغيرة تصنع الفارق بين ممثلة تعرف ما تفعله وممثلة تسير عشوائيًا. كما أن هيا لا تكتفي بحفظ الكلمات أو تكرار المشاهد المعتادة، بل تبحث دائمًا عن الأصغر من التفاصيل، عن النبرة التي تغير معنى الجملة، عن وقفة بسيطة يمكن أن تعكس صراعًا داخليًا كاملاً، عن حركة يد تصنع لغة جديدة للشخصية، عن صمت أقوى من ألف كلمة، كل هذا يجعل المشهد ينبض بالحياة كما لو أن الكاميرا نفسها كانت شاهدة على لحظة حقيقية وليست مجرد تسجيل تمثيلي.


في الوقت نفسه، يظهر عنصر الانضباط عندها بشكل واضح، فالتحضير لكل دور ليس مجرد روتين بل فلسفة كاملة، دراسة للشخصية، معرفة خلفياتها، تحليل حركتها، تحديد نقاط القوة والضعف في الشخصية، ومراجعة كل مشهد ذهنيًا قبل الوقوف أمام الكاميرا، وهذا الانضباط يضمن أن الأداء يبدو متقنًا وعفويًا في الوقت نفسه، ويخلق توازنًا نادرًا بين العاطفة والتقنية، بين الحس الإنساني والتعبير الفني، وهكذا يتحقق ذلك النوع من التمثيل الذي يبدو طبيعيًا لكنه في الحقيقة ناتج عن ساعات طويلة من التفكير والتركيز والملاحظة الدقيقة لكل ما يحيط بالمشهد، مما يعكس فهمًا معمقًا للفن وعلاقة الفنان بالمشاهد والفكرة والبيئة المحيطة.


ولا يمكن الحديث عن هيا دون الإشارة إلى قدرتها على التواصل العاطفي العميق مع جمهورها، فالمشاهد معها لا يشعر بأنه مجرد متفرج، بل شريك في التجربة، يستقبل كل نظرة وكل شعور وكأنه يعيشه بنفسه، وهذه القدرة على بناء جسر نفسي بين الشاشة والمشاهد لا تأتي بالصدفة، بل هي ثمرة فهم دقيق للنفس الإنسانية، ومهارة في تحويل الكلمات المكتوبة إلى شعور ملموس، إلى تفاعل وجداني حي، وهذا ما جعل مسلسل «جناية حب» واحدًا من أبرز الأعمال التي لم تتصدر فقط نسب المشاهدة، بل تركت بصمة وجدانية لا تُنسى لدى الجمهور، حيث تمكنت هيا من جعل كل شخصية تتحدث عن نفسها كما لو أن الحياة الحقيقية تتجسد في كل مشهد، وليس مجرد حكاية مكتوبة.


الأمر الأعمق في تجربة هيا هو قدرتها على الابتكار داخل الأداء، فهي لا تتبع أسلوبًا واحدًا، ولا تحصر نفسها في قالب محدد، بل تحرص دائمًا على التجريب داخل الدور نفسه، على إدخال تفاصيل جديدة، أو تغييرات دقيقة في لغة الجسد أو نبرة الصوت أو توقيت المشهد، بحيث تتحول الشخصية من مجرد دور تقليدي إلى تجربة معقدة وغنية، وهذا النوع من الأداء يوضح أن التمثيل عندها فن حي، قابل للنمو والتغيير مع كل تجربة، وأن حضور الفنان الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاهد أو حجم البروباجاندا، بل بقدرته على جعل كل لحظة على الشاشة تحمل حياة مستقلة، وإحساسًا صادقًا يبقى عالقًا في ذهن الجمهور طويلاً بعد انتهاء العمل.


ف، هيا عبد السلام ليست مجرد ممثلة ناجحة، وليست مجرد وجه جميل على الشاشة، بل هي حالة فنية متكاملة، مدرسة قائمة بذاتها في التمثيل، لا تعلم الآخرين القواعد النظرية فقط، بل تمنحهم درسًا عمليًا في الصدق الفني، في قراءة النفس البشرية، في الانضباط، وفي القدرة على صناعة اللحظة الحقيقية، وهذه المدرسة الصغيرة التي بنيتها في كل دور، وفي كل أداء، تجعلها واحدة من أكثر النجمات قدرة على ترك أثر طويل المدى في الدراما الخليجية، وتثبت أن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى الصخب والصورة الكبيرة، بل إلى هدوء مدروس، حضور صادق، وذكاء عاطفي يجعل من التمثيل تجربة إنسانية حقيقية قبل أن يكون مجرد أداء أمام الكاميرا.

تعليقات