بقلم: رحاب سمير العناني
يطل علينا شهر رمضان المبارك كغيمة ماطرة تروي القلوب التي أرهقها جفاف الحياة، فهو ليس مجرد محطة سنوية للامتناع عن الطعام والشراب، بل هو رحلة "إعادة ضبط" للروح والضمير. وفي هذا الشهر، تكتسب العبادات أبعاداً تتجاوز السجادة والسبحة لتصل إلى عمق العلاقات الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية تجاه الآخرين.
إن صيام الجوارح عن الأذى، وصيام اليد عن أخذ ما ليس لها، هو الاختبار الحقيقي لقوة الإيمان. فمن يمتنع عن المباحات طاعةً لله، يكون من باب أولى أشدَّ حرصاً على اجتناب المحرمات، وعلى رأسها حقوق الضعفاء والمستضعفين.
جبر الخواطر: العبادة الخفية
في رمضان، نفتح أبواب بيوتنا للضيوف، ولكن الأهم أن نفتح أبواب قلوبنا لمن انكسرت قلوبهم. إن رعاية اليتيم وحماية ماله والإحسان إليه ليست مجرد واجب اجتماعي، بل هي "تذكرة عبور" لرفقة النبي ﷺ في الجنة. إن إدخال السرور على قلب طفل فقد سنده، أو صون حق أرملة، هو في ميزان الله قد يعادل قيام الليل وصيام النهار.
الاستثمار في الآخرة
بينما يتسابق الناس في تنويع موائد الإفطار، يجدر بنا أن نتسابق في تنويع القربات. إن المال الذي نؤديه لصاحب حق، أو الصدقة التي تخرج في خفاء، هي "الرصيد الحقيقي" الذي لا ينفد. رمضان هو الوقت الأمثل لنراجع حساباتنا مع أنفسنا ومع الخلق؛ فمن كان تحت يده أمانة فليؤدها، ومن كان في قلبه غلّ فلينزعه، ومن كان لديه فضل مال فليجعل لليتامى والمساكين نصيباً منه بالمعروف.
ختاماً..
ليكن رمضاناً مختلفاً هذا العام، لا نبحث فيه عن كمال الموائد، بل عن كمال الأخلاق. لنخرج منه بقلوب أنقى، وذمم أبرأ، وأيدٍ ممدودة بالخير دائماً. فالسعيد من صام رمضان فصامت جوارحه عن الحرام، وقام ليله فاستنار قلبه بالحق والعدل.

تعليقات
إرسال تعليق