القائمة الرئيسية

الصفحات

الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر يكتب بين سيفٍ يلمع في وهج المعارك ولسانٍ يتدفّق شعرًا… منذر رياحنة يعيد اختراع الشنفرى ككائن درامي من لحمٍ ووجع



ليس من السهل أن تقنع المشاهد المعاصر بشخصية خرجت من بطون الكتب، ولا أن تجعل اسمًا تاريخيًا مثل الشنفرى ينبض بالحياة خارج صفحات التراث، فغالبًا ما تسقط الأعمال التاريخية في فخ التجميل الزائد أو الخطابة الجوفاء، حيث يتحول البطل إلى تمثال من برونز لا يخطئ ولا ينكسر، ويغدو الأداء أقرب إلى استعراض لغوي منه إلى تمثيل حي. لكن ما حدث في أبطال الرمال – الشنفرى منذ حلقاته الأولى كان أشبه بتمرّد صريح على هذه القواعد، وكأن العمل قرر أن يخلع عباءة “السيرة” ويرتدي جلد الإنسان، أن يقترب من الروح لا من الزخرفة، وأن يراهن بكل ثقله على ممثل يعرف جيدًا كيف يحوّل الشخصية من فكرة إلى كائن يتنفس، وهذا الرهان تجسّد كاملًا في أداء منذر رياحنة.


منذ اللحظة الأولى لظهوره، لا يبدو رياحنة ممثلًا يدخل الكادر، بل كأنه خارج للتو من قلب الصحراء، من ليل طويل من المطاردة والجوع والغضب. ملامحه ليست مصقولة، حضوره ليس مصممًا لإرضاء الكاميرا، بل ليصدمها. هناك خشونة متعمدة، توتر ساكن في الكتفين، نظرات حادة كأنها لا تثق في العالم كله. هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد يمرّ عليها ممثل عابرًا، هي ما بنى به رياحنة شخصيته حجرًا فوق حجر. هو لا يقدم الشنفرى كـ”بطل”، بل كجرح مفتوح يمشي على قدمين، كرجل تشكّل وعيه من الإقصاء والخذلان، ومن شعور دائم بأن العالم لفظه خارج حدوده.


كناقد، أجد أن القيمة الحقيقية في هذا الأداء لا تكمن في القوة الظاهرة، بل في الاقتصاد الذكي للمشاعر. رياحنة لا يصرخ كثيرًا، لا يلوّح بيديه ليقنعك بالغضب، لا يستهلك طاقته في الانفعال المجاني، بل يراكم إحساسه ببطء، كأن الغضب عنده نار تحت الرماد، لا لهبًا مكشوفًا. وهذا النوع من الأداء الناضج يحتاج إلى ممثل واثق من أدواته، ممثل يفهم أن الكاميرا تلتقط الارتعاشة الصغيرة في العين أكثر مما تلتقط ألف جملة خطابية.


وحين نصل إلى مشاهد المعارك، تتغير اللغة بالكامل. هنا لا نشاهد “كوريغرافيا” مصممة لتبدو جميلة، بل قتالًا حقيقيًا قاسيًا، والفضل الأكبر في ذلك يعود لطريقة رياحنة في التعامل مع جسده. هو لا يتحرك كممثل يتذكر خطوات، بل كمحارب تحركه الغريزة. اندفاعه ثقيل وصادق، ضرباته مباشرة، تنفسه مسموع، وتعبه واضح. لا يخجل من أن يبدو مرهقًا أو متسخًا أو مصابًا. على العكس، يترك كل ذلك يظهر ليقول للمشاهد: المعركة ليست بطولة رومانسية، بل مسألة بقاء. وهذه الواقعية الجسدية نادرة في الدراما التاريخية العربية، حيث اعتدنا أبطالًا يخرجون من القتال بملابس نظيفة وشعرٍ مصفف.


رياحنة هنا يبدو كفارس قديم خرج من كتب السير الشعبية، لكن دون مبالغة أو أسطرة زائفة. الفروسية عنده ليست استعراضًا عضليًا، بل موقفًا داخليًا. طريقته في حمل السيف، في التقدم خطوة قبل الاشتباك، في تثبيت نظرته في عين خصمه، كلها تفاصيل تقول إن الرجل لا يقاتل ليبدو شجاعًا، بل لأنه لا يملك خيارًا آخر. إنه يقاتل كمن يدافع عن كرامته الأخيرة. وهذا الفارق الدقيق هو ما يجعل المشاهد يصدقه، بل ويتورط عاطفيًا معه.


ثم تأتي المفارقة الأجمل، المفارقة التي تمنح الأداء عمقه الحقيقي: لحظة الشعر. فجأة ينكسر الإيقاع العنيف، يهدأ الجسد، تنخفض النبرة، ويتحوّل هذا المقاتل الصلب إلى كائن شفاف، كأن القصيدة تجرّده من دروعه. هنا يظهر وجه آخر لرياحنة، وجه الشاعر لا المحارب. طريقته في إلقاء الأبيات لا تعتمد على الفخامة الصوتية أو التنغيم المسرحي المبالغ فيه، بل على إحساس داخلي هادئ. يلقي الشعر كما لو أنه يبوح بسرّ، لا كما لو أنه يخطب في جمع.


الفصاحة عنده ليست استعراض مخارج حروف، بل صدق في النطق. كل كلمة تخرج موزونة، لكن غير متكلّفة، كأن اللغة جزء طبيعي من دمه. لا تشعر أبدًا أن هناك “ممثلًا يلقي نصًا”، بل رجلًا يفكر بالشعر ويتنفسه. وهذه النقطة تحديدًا تميّزه عن كثيرين يبدون غرباء عن الفصحى، أو يتعاملون معها كلغة ثقيلة. رياحنة يجعلها لينة، حيّة، يومية، وفي الوقت نفسه مشبعة بجلالها القديم.


ولأن العلاقة بينه وبين الشعر ليست مصطنعة، بل حقيقية على المستوى الشخصي، فإن ذلك ينعكس تلقائيًا على الشاشة. هو لا يمثل أنه شاعر، بل يبدو شاعرًا بالفعل. هناك انسجام غريب بين صوته والبيت الشعري، بين الوقفة والوزن، بين الصمت وما بعد الجملة. كأن القصيدة لا تُقال من فمه فقط، بل من جسده كله. وهذه منطقة نادرة لا يصل إليها إلا ممثل يمتلك حسًا موسيقيًا باللغة، وإدراكًا عميقًا لإيقاعها الداخلي.


الأهم من كل ذلك أن رياحنة لم يقع في فخ تمجيد الشخصية أو تلميعها. لم يحاول أن يجعل الشنفرى قديسًا أو رمزًا مثاليًا. على العكس، تركه قاسيًا أحيانًا، مندفعًا، عنيدًا، وربما أنانيًا في لحظات. ترك عيوبه واضحة. وهذا ما منح الشخصية إنسانيتها. لأن الإنسان الحقيقي ليس ملاكًا، بل خليط من الضوء والظل. ورياحنة كان ذكيًا بما يكفي ليفهم أن المشاهد يتعاطف مع الضعف أكثر مما يتعاطف مع الكمال.


لهذا السبب تحديدًا، لا يبدو أداؤه مجرد “دور ناجح”، بل تجربة تمثيلية متكاملة، حالة نادرة من التوحد بين الممثل والشخصية. أنت لا تشاهد منذر رياحنة يؤدي الشنفرى، بل تنسى منذر أصلًا وتصدق أنك أمام الشنفرى نفسه. وهذه هي أعلى درجات التمثيل، حين يختفي الممثل وتبقى الشخصية.


في المحصلة، ما يقدمه رياحنة في هذا العمل ليس مجرد حضور قوي أو أداء متقن، بل بيان فني واضح يقول إن الدراما التاريخية يمكن أن تكون حديثة، وأن الشعر يمكن أن يكون حيًا، وأن الفروسية يمكن أن تكون إنسانية لا أسطورية. هو فارس حين يشتبك الحديد، وشاعر حين يتكلم القلب، وممثل حقيقي حين يترك كل ذلك يحدث ببساطة وصدق. وهذا التوازن الصعب هو ما جعل الشنفرى على يديه ليس ذكرى من الماضي، بل كائنًا يعيش بيننا الآن، يتنفس غضبنا، ويتمتم بقصيدتنا نحن.


وليلةِ نَحْسٍ يَصْطَلِي القَوْسَ رَبُّها،وأَقْطُعَهُ اللاتِي بها يَتَنَبَّلُ،دَعَسْتُ على غَطْشٍ وبَغْشٍ وصُحْبَتِي،سُعارٌ وإِرزيزٌ ووَجْرٌ وأَفْكَلُ


لكن الذروة الحقيقية في هذا المشهد لا تكمن في جمال الأبيات نفسها بقدر ما تكمن في الطريقة التي أعاد بها رياحنة تعريف فعل الإلقاء من الأساس. نحن هنا لا نشاهد ممثلًا يقف ليستعرض فصاحته أو ليؤدي مقطعًا شعريًا بوصفه استراحة جمالية بين معركتين، بل نشهد لحظة انكشاف داخلي كاملة، لحظة يتعرّى فيها الشنفرى من سلاحه ومن قسوته ومن قناع الفارس، ليقف وجهًا لوجه أمام ذاكرته. حين ينطق: «وليلةِ نحسٍ يصطلي القوس ربُّها…» لا تبدو الليلة استعارة بل قدرًا، ولا يبدو القوس أداة بل رفيق شقاء، ويخرج الصوت من حنجرته مثقلًا بخشونة التجربة، كأنه قادم من صدر رجل أنهكه الركض طويلًا في الصحراء لا من حنجرة ممثل في استوديو تصوير.


رياحنة هنا يتعامل مع البيت الشعري كما يتعامل الموسيقي مع نوتة حساسة؛ يخفّض الإيقاع حين يجب أن نصغي، ويطيل الوقفة حين يجب أن نشعر، ويترك بين كلمة وأخرى مسافة صمت محسوبة، كأن الصمت ذاته جزء من القصيدة. هذه المسافات الصامتة تحديدًا هي ما يمنح الأداء عمقه الإنساني، لأننا خلالها لا نسمع الشعر فقط، بل نسمع ما وراءه: أنفاسًا متقطعة، تعبًا قديمًا، ذاكرة مطاردة لا تهدأ. هو لا يملأ الفراغ بالكلام، بل يملؤه بالإحساس، وهذه شجاعة فنية لا يمتلكها إلا ممثل واثق بأن الكاميرا تلتقط الارتعاشة الصغيرة أكثر مما تلتقط الضجيج.


وعند الأبيات الأكثر قسوة: «دعستُ على غطشٍ وبغشٍ وصحبتي سعارٌ وإرزيزٌ ووجرٌ وأفكلُ»، كان من السهل أن تتحول الكلمات إلى استعراض لغوي متخم بالمفردات الغريبة، لكن رياحنة يفعل العكس تمامًا؛ يجرّدها من غرابتها، ويعيدها إلى أصلها البدائي، إلى كونها أصواتًا تعبّر عن الخطر والجوع والوحشة. لا ينطقها كمعجم، بل كجروح. تشعر أن كل مفردة تخرج محمّلة بتراب الطريق، كأنها خاضت التجربة قبل أن تُقال. وهنا يتحقق الفارق الجوهري بين ممثل “يلقي” الشعر وممثل “يعيشه”: الأول يهتم بسلامة المخارج، أما الثاني فيهتم بصدق الألم، ورياحنة اختار الطريق الأصعب والأصدق.


الأكثر إدهاشًا أن هذا التحول من الفارس إلى الشاعر لا يبدو مصطنعًا أو مفاجئًا، بل طبيعيًا تمامًا، كأن الشخصية كانت تنتظر هذه اللحظة لتتنفس. الجسد الذي كان مشدودًا في المعركة يلين، الكتفين ينخفضان، النظرة تبتعد عن التحدي وتقترب من التأمل، والصوت الذي كان حادًا يصبح عميقًا ودافئًا. هذا التبدّل الجسدي والنفسي يحدث بسلاسة مذهلة، دون أي إشارات تمثيلية فجة، وكأن الشعر ليس فعلًا يؤديه الشنفرى، بل ملاذًا يلوذ به، بيتًا داخليًا يعود إليه كلما ضاقت الدنيا. هنا نفهم أن القصيدة عنده ليست زينة ثقافية، بل ضرورة وجودية، طريقة للبقاء حيًا وسط عالم يطارده.


ومن منظور نقدي بحت، يمكن القول إن هذه اللحظة تحديدًا تكشف وعي رياحنة باللغة ككائن حي، لا كنص محفوظ. علاقته بالفصحى ليست علاقة طالب يحفظ درسًا، بل علاقة عاشق يعرف إيقاعها الداخلي وموسيقاها الخفية. لذلك تبدو الكلمات على لسانه لينة، طبيعية، غير متكلفة، كأنها لغته اليومية لا لغة تاريخية ثقيلة. وهذا ما يمنح المشهد بعدًا معاصرًا مدهشًا؛ فجأة لا تعود القصيدة من زمن بعيد، بل من وجداننا نحن.


لهذا كله، تتحول القصيدة في أدائه من فقرة شعرية داخل عمل درامي إلى حدث درامي كامل قائم بذاته، لحظة يتوقف فيها الزمن، ويتحوّل فيها الشنفرى من مجرد شخصية تاريخية إلى إنسان يمكن أن نصادفه اليوم في شوارعنا، رجل يقاتل نهارًا ويكتب وجعه ليلًا. وبصدق، قليلون جدًا من الممثلين يستطيعون أن يجعلوا بيت شعر يهزّ المشاهد كما تهزه معركة، لكن رياحنة نجح في ذلك، لأنه لم يُلقِ الأبيات بصوته فقط، بل ألقاها بقلبه وذاكرته وجسده كله.

تعليقات