بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي
يتحوّل العالم اليوم أمام أعيننا في حركة بطيئة لكنها حتمية، تدفع بثقل التاريخ نحو منعطف جديد لم تشهد البشرية له مثيلاً من قبل، حيث تتزعزع أركان النظام العالمي أحادي القطب الذي هيمن على العقود الثلاثة الماضية، لتفسح المجال تدريجياً لصورة أكثر تعقيداً وتشظياً، صورة لنظام متعدد الأقطاب بلا قيادة واضحة أو مركز ثابت لم تعد الكلمة الفصل حكراً على عواصم بعينها، بل انتشرت بؤر النفوذ والتأثير على خريطة المعمورة، من برازيليا إلى نيودلهي، ومن أنقرة إلى الرياض، مسيّرة بمحركات الاقتصاد والتكنولوجيا والمطالب الوطنية المشروعة لقد سقطت فكرة "الشرطي العالمي" التي كلّفت أكثر مما أفادت، وظهرت بدلاً منها مجموعة من اللاعبين الإقليميين الأقوياء الذين يصرّون على حماية مصالحهم وحلّ نزاعاتهم بمنطقهم الخاص، في مشهد يذكر بعصور الإمبراطوريات المتجاورة التي تتصارع وتتفاوض على مناطق النفوذ.
في قلب هذه التحولات الضخمة، نجد القوة الناعمة القديمة تتراجع لصالح منطق صارم من المنفعة المباشرة والمقايضة السياسية لقد ذبلت وهج الأيديولوجيات الكبرى التي قسمت العالم في القرن الماضي، وأصبحت "الواقعية الجديدة" هي اللغة السائدة، لغة المصالح الاقتصادية والأمن القومي الضيق لم تعد التحالفات تُبنى على أساس القيم المشتركة وحده، بل على حسابات الربح والخسارة في صفقات الغاز والنفط، وممرّات التجارة، وعقود السلاح حتى مفهوم السيادة الوطنية، الذي بدا وكأن العولمة ستحوله إلى ذكرى من الماضي، عاد بقوة كحصن منيع تتحصن وراءه الدول، كبيرة كانت أم صغيرة، لترفض الوصاية وتصر على قرارها المستقل لقد تحولت الدبلوماسية من فن بناء التوافقات إلى فن إدارة الخلافات والتفاوض على هامش صفقات تجارية وعسكرية.
لكن هذا العالم المتعدد الأقطاب لا يخلو من مخاطر جسيمة، فغياب القائد الواضح أو القطب المسيطر لا يعني بالضرورة سلاماً واستقراراً، بل قد يفتح الباب أمام فوضى لا يمكن التنبؤ بها تتحول المناطق الحدودية بين مناطق النفوذ إلى براميل بارود، حيث يمكن لأي شرارة صغيرة أن تطلق حرباً إقليمية قد تتسع بسرعة وتتنافس القوى الكبرى والناشئة على الموارد الحيوية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، مستخدمة كل أدواتها من القروض الميسرة إلى المساعدات العسكرية، في سباق محموم يشبه لعبة "الاستعمار الجديد" ولكن بلغة القرن الحادي والعشرين حتى الفضاء الإلكتروني والفضاء الخارجي لم يسلم من هذا التدافع، حيث أصبحا ساحتين جديدتين للتنافس الاستراتيجي والسيطرة.
وفي خضم هذه العواصف، تبرز قوة جديدة لا تعترف بالحدود أو السيادات التقليدية، هي قوة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، التي تعيد رسم خريطة القوة من أساسها فالدولة التي تسبق في هذا المضمار قد تكتسب تفوقاً استراتيجياً شاملاً، اقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً، مما يخلق فجوة هائلة بين من يملكون التكنولوجيا ومن لا يملكونها المستقبل الذي نراه اليوم ليس نسخة من الماضي بتوازنات جديدة فحسب، بل هو تحول نوعي في طبيعة القوة نفسها نحن ننتقل من عالم تسيطر فيه الدول إلى عالم تتنافس فيه النماذج الحضارية والأنظمة التكنولوجية، حيث قد تكون الهيمنة لقوة تتحكم في الخوارزميات التي تتحكم في حياة البشر، أكثر من تلك التي تتحكم في الأراضي إنه تحول جيوسياسي عميق الجذور، لا يغير فقط من يقف على القمة، بل يغير المعنى الحقيقي للوقوف على القمة في عصر لم تعد فيه القوة وحدها كافية، بل القدرة على التكيف مع عالم لا يعترف بالثوابت

تعليقات
إرسال تعليق