كتبت د. : سوزان دوابه
مرت السنين ولكن الزمن ثابت فى لحظات فيها قدرة الخالق عندما وطئت قدمى هذا المعبد لاجد روحى تشتاق لكل همس بين ثنايا احجارة ترشد على ذاكرة الزمن.. تردد يحمل الروح لكشف المعرفة
معبد الأوزوريون في أبيدوس ليس مجرد أثر حجري صامت، بل رحلة روحانية كاملة، يدخلها الإنسان فيخرج منها مختلفًا. هناك، حيث الصمت أثقل من الكلام، تشعر وكأنك داخل عين الحياة نفسها، العين التي رأت البداية وتعرف النهاية. الأوزوريون ليس معبدًا عاديًا، بل بوابة وعي، بُني ليحمل معنى البعث، لا كفكرة دينية فقط، بل كقانون كوني أدركه قدماء المصريين.
السر المدفون في أبيدوس ليس في الأحجار، بل في المعرفة التي صيغت بها. وعندما يأتي الغرب من أقاصي الأرض، ويدفع ثلاثين الف جنية وأكثر ثمن دخول هذا المكان،وبامر فتح خاص. فهذا ليس حبًا في السياحة فقط، بل سعيًا خلف رؤية وعلم يشعرون أن هنا مصدره. هناك شيء يُرى ولا يُقال، يُحس ولا يُشرح، ولذلك يأتون.
والكارثة الحقيقية ليست في جهل الناس، بل في تغييب الوعي. حين لا يُقال للإعلام عظمة هذه الحضارة، وحين لا تُدرّس فلسفتها في المدارس، نكون أمام خسارة حضارية وإنسانية كبرى. فحضارة مصر لم تكن معابد وتماثيل فقط، بل علمًا للروح، وفهمًا للحياة والموت، وإدراكًا لمعنى الخلود.
مصر ليست أرضًا عادية، بل أرض الأسرار. أرضٌ وُضع فيها سر عظيم بعلم الله، سر البعث، وسر العودة، وسر الانتقال من حال إلى حال. من يفهم مصر، يفهم أن الآخرة لم تكن عند قدماء المصريين مكانًا بعيدًا، بل حالة وعي، وأن البعث ليس حدثًا مفاجئًا، بل استيقاظًا.
أفيقوا، فمصر ليست ماضيًا منتهيًا، بل رسالة ممتدة. هي السر المكنون، وهي الذاكرة التي لم تُمحَ، وهي البذرة التي تنتظر أن تُفهم لا أن تُعبد. ومن أبيدوس، حيث يرقد الأوزوريون، يبدأ السؤال الحقيقي: هل كنا ننظر، أم كنا نرى؟

تعليقات
إرسال تعليق