بقلم :عصام العربي
في الأيام الأخيرة، تعالت على بعض منصات التواصل الاجتماعي أصواتٌ تتحدث عن مصر وكأنها غابة، وكأنها دولة تتربص بالأشقاء، وكأنها أرض خوف لا أمان فيها! روايات عن مداهمات، وتعذيب، وسجون، وأطفال ونساء… وكأننا نتحدث عن وطنٍ آخر غير مصر!
هل هذه هي مصر يا سادة؟
لا والله… ما كانت يومًا كذلك… ولن تكون.
مصر التي يعرفها التاريخ قبل الجغرافيا، هي مصر التي ذكرها الله في كتابه الكريم:
“ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين”.
فكيف تتحول فجأة في بعض الروايات إلى أرض خوف؟
حين اندلعت الحرب الأهلية في السودان بين الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تحولت مدن بأكملها إلى ساحات قتال. في تلك اللحظة، لم تُغلق مصر أبوابها، ولم ترفع الأسلاك الشائكة، ولم تقل “شأن داخلي لا يعنينا”.
بل فتحت حدودها الرسمية، واستقبلت مئات الآلاف، حبًا لا إجبارًا، وواجبًا لا مِنّة.
مصر قادرة على حماية حدودها، وقادرة على إحكام سيطرتها، لكنّها اختارت أن “تغضّ البصر” رحمةً بالهاربين من أهوال الحرب. لم تُقم مخيمات في الصحراء، ولم تضع الأشقاء خلف أسوار العزل، ولم تُطلق عليهم رسميًا وصف “لاجئين” كما تفعل كثير من الدول.
بل قالت: “أشقاؤنا السودانيون”… “ضيوفنا”… “أهلنا”.
ومن دخل عبر الطرق الرسمية، ومن تسلل عبر التهريب، عاش بين المصريين، في أحيائهم، في مدارسهم، في مستشفياتهم، في أسواقهم. لم يكن هناك فصلٌ أو تمييز. كان هناك شعبان امتزجا كما امتزجا عبر آلاف السنين على ضفاف النيل.
لكن، هل من حق الدولة أن تطلب تقنين الأوضاع؟
أليس من حق أي دولة في العالم أن تعرف من يعيش على أرضها؟
أليس من واجب أي مقيم أن يحمل أوراقًا قانونية تضمن حقوقه وتحفظ أمن البلد في الوقت ذاته؟
السؤال الصريح:
هل يستطيع أحد أن يضمن أن من دخلوا وسط الفوضى لا يوجد بينهم عناصر هاربة من مليشيات مثل الجنجويد؟
الأمن مسؤولية، وليس تهمة.
وتنظيم الإقامة ليس إهانة، بل حماية للجميع… للمصري والسوداني على حد سواء.
وحين أعلنت جهات إعلامية ورسمية في السودان أن الأوضاع في بعض المناطق أصبحت أكثر استقرارًا، وأن الأسواق تعمل والعاصمة أكثر أمانًا، كان طبيعيًا أن تسأل مصر: من يقيم لسبب مشروع فليُقنن وضعه، ومن انتهى ظرفه الاستثنائي فليُسهم في إعمار وطنه.
أيها الأشقاء…
السودان لا يُبنى إلا بأبنائه.
الفاشر ونيالا والخرطوم لن يعمّرها إلا شبابها.
ومصر لم ولن تكون بديلًا عن وطنكم، لكنها كانت وستظل سندًا وقت المحنة.
مصر لا تطلب شكرًا.
فالأخ لا ينتظر كلمة امتنان من أخيه.
لكنها تستحق عدلًا في القول، وإنصافًا في الحكم، وألا تُشوَّه صورتها بعبارات قاسية لا تُشبه حقيقتها.
ستظل مصر كما كانت عبر التاريخ:
ملاذ كل خائف…
وأرض كل مستجير…
والباب المفتوح لكل من يحترم قانونها ويصون أرضها.
أما التشويه والافتراء، فلن يغيرا حقيقة يعرفها كل من عاش على هذه الأرض:
أن مصر… كانت ولا تزال… وطن الأمان.

تعليقات
إرسال تعليق