بقلم/نشأت البسيوني
في حياة كل انسان رحلة خفية لا يراها الناس ولا يعرفون تفاصيلها ولا يشعرون بثقلها لكنها الرحلة الاهم والاكثر تأثيرا الرحلة التي يخوضها داخل نفسه قبل ان يخطو خطوة واحدة في العالم الخارجي ففي الداخل تتشكل القرارات وتولد العزيمة وتنضج الافكار وتتقوى الروح وتتعلم النفس كيف تواجه الحياة وكيف تحافظ على ثباتها حين تشتد العواصف وكيف تصنع مستقبلها من
قلب الصعوبات وليس من ظاهر الايام ومع مرور الازمان يدرك الانسان ان الرحلة الحقيقية ليست تلك التي يقطعها في المدن البعيدة ولا الطرق التي يسير فيها تحت الشمس ولا المسافات التي يمشيها بحثا عن رزق او حلم بل هي تلك التي يخوضها داخله كل يوم وهو يقاتل شكوكه ويغلب خوفه ويتحدى ضعفه ويعيد بناء ثقته بنفسه بعد كل خيبة فالانتصار الداخلي هو اساس كل نجاح
خارجي ومن لم ينتصر على نفسه لن ينتصر على طريق ولن يصل الى هدف مهما كان بسيطا وفي اعماق النفس يتعلم الانسان ان الرحلة الداخلية تبدأ حين يتوقف عن الهرب من مشاعره وحين يواجه حزنه بشجاعة وحين يعترف باخطائه دون خوف وحين يفهم انه ليس مطالبا بالكمال بل بالتطور وليس ملزما بإرضاء العالم بل بإرضاء ضميره وما يراه صوابا فهنا يبدأ التغيير الحقيقي وهنا
يكتشف الانسان قوته ويعرف انه قادر على اعادة خلق حياته من جديد مهما كانت البداية صعبة ومهما كانت العلامات مشوشة
ومع كل تجربة يمر بها الانسان يصبح اكثر وعيا بما يحتاجه حقا وبما يجب ان يتركه وبمن يستحق وجوده في طريقه وبمن يجب ان يبتعد عنه دون ندم ويتعلم ان ترتيب الداخل اهم من ترتيب الخارج وان تنظيف القلب اهم من تنظيف الطرق وان اصلاح النفس
اهم من اصلاح كل ما حوله لان ما يصنعه داخل نفسه سيظهر في ملامحه وتصرفاته وقراراته وعلاقاته وسيحدد نوع الطريق الذي يسير فيه وجودته وقوته وفي يدرك الانسان ان الرحلة الحقيقية لم تكن يوما في الاماكن بل في القلب ولم تكن في الزمن بل في الوعي ولم تكن في المسافات بل في العمق وان كل خطوة يخطوها في الداخل تفتح له ابوابا في الخارج لم يكن يراها وكل لحظة صدق مع
نفسه تقوده الى بداية جديدة وكل صراع داخلي يتجاوزه يجعله اقوى واكبر واقدر على مواجهة العالم كما يجب لان من انتصر في داخله لن يهزمه الخارج مهما كان قاسيا

تعليقات
إرسال تعليق