عندما يصبح التمثيل فعل تحوّل.. منذر رياحنة من كوميديا السوق الحرة إلى دراما أعوام الظلام وتمرد الشنفرى
ليس مجرد نجم بل مشروع ممثل.. منذر رياحنة يعبر بين السوق الحرة وأعوام الظلام ويستعد لإحياء الشنفرى بروح جديدة
عزيز وأبو غضب والشنفرى.. ثلاث محطات تكشف عبقرية منذر رياحنة وقدرته النادرة على تبديل جلده الدرامي
الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في زمنٍ أصبحت فيه النجومية تُقاس بسرعة الانتشار وعدد المشاهدات، يظل هناك ممثلون ينتمون إلى مدرسة أقدم وأعمق، مدرسة تعتبر التمثيل فعلًا إنسانيًا قبل أن يكون استعراضًا بصريًا، ومدرسة ترى أن الشخصية ليست ملابس تُرتدى ثم تُخلع، بل روحًا تُستعار مؤقتًا وتُعاش حتى آخر نبضة في المشهد. من هذه الفئة تحديدًا يبرز اسم منذر رياحنة، ليس كمجرد ممثل يؤدي أدوارًا مختلفة، بل كحالة فنية قائمة بذاتها، مشروع ممثل يبحث دائمًا عن المعنى خلف الدور، وعن الفلسفة الكامنة وراء كل جملة ونظرة وصمت محسوب. الحديث عن رياحنة لا يمكن أن يكون خبرًا عابرًا أو إشادة تقليدية، بل يحتاج إلى قراءة نقدية وفلسفية متأنية، لأن تجربته تتجاوز فكرة “التنوع” إلى فكرة “التحوّل”، والفارق بين الاثنين كبير بقدر الفارق بين التمثيل والتقمّص.
في زمنٍ أصبحت فيه النجومية تُقاس بسرعة الانتشار وعدد المشاهدات، يظل هناك ممثلون ينتمون إلى مدرسة أقدم وأعمق، مدرسة تعتبر التمثيل فعلًا إنسانيًا قبل أن يكون استعراضًا بصريًا، ومدرسة ترى أن الشخصية ليست ملابس تُرتدى ثم تُخلع، بل روحًا تُستعار مؤقتًا وتُعاش حتى آخر نبضة في المشهد. من هذه الفئة تحديدًا يبرز اسم منذر رياحنة، ليس كمجرد ممثل يؤدي أدوارًا مختلفة، بل كحالة فنية قائمة بذاتها، مشروع ممثل يبحث دائمًا عن المعنى خلف الدور، وعن الفلسفة الكامنة وراء كل جملة ونظرة وصمت محسوب. الحديث عن رياحنة لا يمكن أن يكون خبرًا عابرًا أو إشادة تقليدية، بل يحتاج إلى قراءة نقدية وفلسفية متأنية، لأن تجربته تتجاوز فكرة “التنوع” إلى فكرة “التحوّل”، والفارق بين الاثنين كبير بقدر الفارق بين التمثيل والتقمّص..
منذر رياحنة لا يدخل الشخصية من باب الشكل، بل من باب الجوهر؛ لا يبدأ من طريقة الكلام أو الإكسسوارات أو حتى المظهر الخارجي، وإنما يبدأ من السؤال الأصعب: لماذا تفعل هذه الشخصية ما تفعل؟ ما الذي كسرها أو شكّلها أو دفعها إلى هذا المصير؟ لذلك نشاهد أداءه وكأننا أمام إنسان حقيقي يتنفس، لا ممثل يؤدي نصًا مكتوبًا. هذه القدرة النادرة على التحوّل بين الأنماط الدرامية المختلفة – من الكوميديا الخفيفة إلى الدراما الثقيلة وصولًا إلى الشخصيات التاريخية المركبة – لم تكن مجرد رغبة في تنويع الرصيد الفني، بل استراتيجية واعية لبناء مسار يثبت فيه في كل مرة أنه ممثل يعتمد على العمق الداخلي بقدر اعتماده على الحضور الخارجي، وأن أدواته ليست محفوظة في قالب واحد بل قابلة لإعادة التشكيل وفق متطلبات كل تجربة.
في الكوميديا، قدّم رياحنة مفاجأة حقيقية عندما ظهر بشخصية عزيز في مسلسل السوق الحرة، وهنا لم يلجأ إلى الكوميديا الصاخبة أو الإفيهات الجاهزة التي تضمن الضحك السريع، بل اختار الطريق الأصعب: كوميـديا التفاصيل.
شخصية البورجوازي الشرير التي كان من الممكن أن تتحول إلى كاريكاتير مبالغ فيه، أعاد صياغتها بخفة ظل وتلقائية جعلتها أقرب إلى الواقع منها إلى النمطية. الضحك لم يكن ناتجًا عن جملة مضحكة فقط، بل عن سلوك، عن نبرة صوت، عن ارتباك صغير أو نظرة متعالية تكشف هشاشة داخلية. وكأن رياحنة يقول إن الكوميديا الحقيقية لا تصنعها النكتة، بل يصنعها الصدق. هذه المقاربة كشفت جانبًا مرنًا للغاية في أدواته التمثيلية، وقدرته على ضبط الإيقاع الكوميدي دون أن يسقط في فخ المبالغة، فبدا الأداء خفيفًا لكنه محسوب بدقة، بسيطًا في ظاهره لكنه مركب في جوهره.
لكن المفارقة أن نفس الممثل الذي يضحكك بتفصيلة صغيرة، قادر في العمل التالي على أن يسحب منك الابتسامة ويتركك أمام ثقل إنساني خانق. في الدراما القاتمة، قدّم قفزة نوعية لافتة في مسلسل أعوام الظلام من خلال شخصية أبو غضب؛ وهنا لم نعد أمام رجل عادي، بل أمام كتلة من القسوة المتراكمة، إنسان شكّلته السجون والظروف والخذلان.
الأداء كان أقرب إلى الاقتصاد المتعمد في الانفعال؛ لا صراخ، لا حركات زائدة، فقط صمت طويل ونظرات حادة تحمل تاريخًا كاملًا من الألم. مظهره، طريقته في الوقوف، بطء حركته، كلها عناصر تحولت إلى لغة درامية موازية للحوار. أبو غضب لم يكن شريرًا تقليديًا، بل إنسانًا تشوّه تحت ضغط الظلم، فصار خشنًا كآلية دفاع. وهنا تتجلّى فلسفة رياحنة في التمثيل: لا أحد يولد قاسيًا، بل الظروف هي التي تصنع الوحوش. هذه الرؤية الإنسانية منحت الشخصية مصداقية هائلة، وجعلت المشاهد يتأرجح بين الخوف منه والتعاطف معه في الوقت نفسه، وهي معادلة صعبة لا ينجح فيها إلا ممثل يملك حسًا نفسيًا عميقًا.
وإذا كان التنقل بين الكوميديا والدراما يتطلب مرونة، فإن الدخول إلى عالم الشخصيات التاريخية يتطلب شجاعة مضاعفة. لأن التاريخ لا يرحم، والجمهور يحمل صورة ذهنية مسبقة، وأي خطأ يتحول إلى اتهام بالتزييف أو الاصطناع. لذلك تبدو تجربة رياحنة المرتقبة في تجسيد شخصية الشنفرى – أبو الصعاليك – مغامرة فنية حقيقية. الشنفرى ليس مجرد شخصية تراثية، بل رمز للتمرّد والشعر والبطولة الفردية، مزيج من الفارس والشاعر والناقم على مجتمعه. مثل هذه الشخصية تحتاج إلى حضور جسدي قوي، وصوت قادر على حمل اللغة العربية الفصحى بروح طبيعية لا تبدو متكلّفة، وتحتاج قبل كل شيء إلى فهم فلسفي لفكرة “الصعلوك” بوصفه إنسانًا خارج النظام لا لأنه شرير، بل لأنه يرفض القوالب.
اختيار رياحنة لهذا النوع من الأدوار يؤكد أنه لا يبحث عن المناطق الآمنة، بل عن التحديات التي تختبر حدوده كممثل.
وما يميّز منهجه في الأعمال التاريخية تحديدًا أنه لا يتعامل مع الشخصية كرمز جامد أو تمثال من الماضي، بل ككائن حي له رغباته وضعفه وتناقضاته. هو يزيل عنها غبار القداسة ويعيدها إلى الأرض، يجعلها بشرًا قبل أن تكون أسطورة، وهذا ما يمنحها حياة على الشاشة. فالمشاهد لا يتعاطف مع الأبطال المثاليين، بل مع البشر الذين يخطئون ويتألمون.
ومن هنا تنبع قوة رياحنة: قدرته على أنسنة الأسطورة، وإضفاء روح معاصرة على نصوص قديمة دون أن يفقدها وقارها.
فلسفيًا، يمكن القول إن مسيرة منذر رياحنة تقوم على فكرة “الهروب من التكرار”. هو لا يختار الأدوار المتشابهة التي تضمن له منطقة راحة وجمهورًا ثابتًا، بل يسير دائمًا نحو المجهول. مرة يضحكك، ومرة يرهقك نفسيًا، ومرة يأخذك إلى التاريخ. هذا التنوع ليس تنوعًا في الملابس أو اللهجات فقط، بل تنوع في الروح قبل الشكل، في العمق قبل المظهر. كأن كل دور بالنسبة له هو ولادة جديدة، لا امتداد لما قبله. وهذا تحديدًا ما يجعل مسيرته أقرب إلى مشروع فني طويل المدى، لا مجرد سلسلة أعمال متفرقة.
في، وبين ضحكة عزيز، وقسوة أبو غضب، وتمرد الشنفرى، يتضح أننا أمام ممثل لا يكتفي بأن يكون حاضرًا على الشاشة، بل يصرّ على أن يترك أثرًا في الوعي. منذر رياحنة لا يمثل لكي يُرى فقط، بل يمثل لكي يُفهم ويُحسّ. وربما لهذا السبب يظل حضوره مختلفًا؛ لأنه لا يقدم شخصيات تُستهلك ثم تُنسى، بل وجوهًا تظل عالقة في الذاكرة، وأسئلة تظل مفتوحة في العقل. وفي زمن السرعة والسطحية، يبدو هذا النوع من العمق ترفًا نادرًا… لكنه الترف الذي يصنع الفن الحقيقي.

تعليقات
إرسال تعليق