القائمة الرئيسية

الصفحات

 هنا نابل | بقلم المعز غني



قل لمن أراد أن يزور قبره أن يزوره متى يشاء ؛ فحبيبتي أذاقتني في حياتي ، وحتى بعد مماتي ، مرارة الشقاء بحلاوة الحب.


دفنتني في قبري ثم عادت تبحث عني ، فوجدتني أطوف فوق سطح الماء . دفنتني في الأرض ، فإذا بي أهبط عليها من السماء.

أنارت حياتي بوجودها ، فوجدت سواد أيامي أعمق من ظلمة المساء. 

جعلت مني كفًّا لغزالٍ هارب ، وحين قرأتني وجدَتني قصيدة رثاء.


أعطتني ما كان ينقصني من أكسجينٍ وهواء ، لكنها لم تسمع نبض قلبي ، ولم تدرك أن شراييني لم تكن مجرّد مجارٍ للدماء.

أتعبتها حتى رمتني في صحراء قاحلة بلا شراب ولا غذاء ، ثم عادت تسأل عني ، فوجدت تحت قدمي ماءً وطعامًا — كأن الحياة أرادت أن تواسيني حين هجرتني .


حرّمتُ نفسي على النساء موتى وأحياء ، وفتحتُ قلبي فإذا هو غارق بالنساء كغرق الأرض تحت أمطار الشتاء .

شمتت بي حين تكاثرت الأوجاع في جسدي ، ومنعتني من كتابة ، وحاكمتني أمام الشعراء والأدباء .


علّمتني القراءة وتهجئة كل حروف الهجاء ، لكنني حين جاء الإمتحان لم أعرف سوى حرفي الحاء والباء — حاء الحنين وباء البكاء .


قدّمت لي حبها بذكاءٍ بارد ، وقدّمت لها حبي باندفاعٍ أحمق . كانت تقول “ نعم ”، وكنت أصرّ على “ لا ”.

هددتني : إن لم أعتزل النساء ستتركني … فصرخت في داخلي: أفرغوا قلبي أيها النزلاء .


غرتُ عليها حتى الألم ، ولم أحتمل أن تكون حياتي معها شقاءً دائمًا فهي علّتي ، وهي في الوقت ذاته دوائي .

وبعد كل ما قدّمته من حبّ وصدقٍ ووفاء ، واجهتني بخيانتي وغدري مع غيرها — وقلت ذلك خجلًا لا تبريرًا .


كانت لي الأكسجين والهواء ، وكانت الدماء في شراييني ، ومع ذلك ألزمتني بالطاعة والولاء .

أعتزلت النساء من أجلها ، وقدّمت لها فروض الطاعة لتكون وطني ، وأكون لها إنتماء .


بعدد قطرات المطر في أقسى الشتاءات ، وبعدد النساء اللواتي خُلقن على هذه الأرض ، أهبك حياتي كاملة لأجل البقاء .

أرفع قبّعتي إحترامًا لكل إمرأة تشبهك ، وأقدّم لك الشكر والثناء ، وكأنني أهديك قطعةً من السماء .


اليوم ، وبعد موتي …

إلى كل من أراد أن يزور قبري : قدّموا طلب الزيارة ؛ فهي وحدها من تمنح الإذن حين تشاء .


فحبيبتي ليست أنثى عادية …

هي سلطانة على عرش قلبي ، وأميرة فوق كل النساء .

ولو قدّمت لها حبًّا بحجم الكون صدقًا ووفاءً ، لما أستطعت أن أوفيها حق العطاء .


أخبروهم أنني جعلت منها راحةً بعد الشقاء ، وجعلت منها لكل جروحي دواء .

وأعتزلت النساء من أجلها …


وسألوها يومًا :

هل تقبلين أن تكوني النجوم ، إذا كنتُ أنا لكِ السماء؟

هل عرفتم عن من أتحدث؟

تعليقات