إِنَّ المَخَاضَ لَيْسَ جَسَدِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ قَانُونٌ كَوْنِيٌّ يَحْكُمُ الصَّيْرُورَةَ.
فِي كُلِّ لَحْظَةِ تَحَوُّلٍ جَذْرِيٍّ، يَنْبَثِقُ الجَدِيدُ مِنْ رَحِمِ القَدِيمِ المُتَهَالِكِ.
هَذَا الانْبِثَاقُ لَا يَتِمُّ بِيُسْرٍ، بَلْ عَبْرَ صِرَاعٍ دِيَالِكْتِيكِيٍّ عَنِيفٍ وَمُؤْلِمٍ.
فَالأَلَمُ هُنَا هُوَ الثَّمَنُ الضَّرُورِيُّ لِتَحْطِيمِ القُيُودِ الَّتِي تُكَبِّلُ الرُّوحَ وَالمَادَّةَ.
عِنْدَمَا نَتَحَدَّثُ عَنِ الوِلَادَةِ الجَدِيدَةِ، نَعْنِي انْفِجَارَ الحَيَاةِ فِي وَجْهِ الرُّكُودِ.
فَالبَشَرُ، كَأَفْرَادٍ، لَا يَنْضَجُونَ إِلَّا بَعْدَ مُعَانَاةٍ تَصْهَرُ مَعَادِنَهُمْ وَتُصَفِّيهِمْ.
وَالمُجْتَمَعَاتُ كَذَلِكَ، لَا تَتَطَوَّرُ إِلَّا حِينَ تَتَصَادَمُ فِيهَا التَّنَاقُضَاتُ الدَّاخِلِيَّةُ.
إِنَّ القَدِيمَ يَتَمَسَّكُ بِالبَقَاءِ، وَالجَدِيدُ يَشُقُّ طَرِيقَهُ بِقُوَّةِ الدَّفْعِ التَّارِيخِيِّ.
هَذَا التَّضَادُّ هُوَ جَوْهَرُ الجَدَلِ الَّذِي يُوَلِّدُ حَرَكَةً لَا تَعْرِفُ التَّوَقُّفَ أَبَدًا.
حَتَّى الأَفْكَارُ، هِيَ كَائِنَاتٌ تَمُرُّ بِمَرَاحِلِ المَخَاضِ قَبْلَ أَنْ تَسُودَ العُقُولَ.
فَالفِكْرَةُ السَّائِدَةُ تُقَاوِمُ نَقِيضَهَا، وَمِنْ رَحِمِ هَذَا النِّزَاعِ تُولَدُ الحَقِيقَةُ الأَسْمَى.
إِنَّ القِيَمَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ الَّتِي نَقْدِسُهَا لَمْ تَأْتِ مِنْ فَرَاغٍ أَوْ بِطَرِيقَةٍ سَلِسَةٍ.
بَلْ جَاءَتْ بَعْدَ زَلَازِلَ فِكْرِيَّةٍ وَثَوْرَاتٍ هَزَّتْ أَرْكَانَ المَسْلَمَاتِ القَدِيمَةِ.
فَلَا يُمْكِنُ لِلْمُجْتَمَعِ أَنْ يَتَجَدَّدَ دُونَ أَنْ يَهْدِمَ مَا لَمْ يَعُدْ صَالِحًا لِلْبَقَاءِ.
الهَدْمُ أَلِيمٌ، لَكِنَّهُ الخُطْوَةُ الأُولَى وَالإِلْزَامِيَّةُ فِي عَمَلِيَّةِ البِنَاءِ العَظِيمَةِ.
إِنَّنَا نَرَى فِي الطَّبِيعَةِ كَيْفَ تَنْفَلِقُ البَذْرَةُ لِتَخْرُجَ الشَّجَرَةُ إِلَى النُّورِ.
هَذَا الانْفِلَاقُ هُوَ "مَوْتٌ" لِشَكْلِ البَذْرَةِ، لَكِنَّهُ "وِلَادَةٌ" لِحَيَاةٍ أَعْظَمَ وَأَجْمَلَ.
هَكَذَا هِيَ القِيَمُ؛ تَمُوتُ القَدِيمَةُ لِتُفْسِحَ المَجَالَ لِقِيَمٍ أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً.
لَا يُوجَدُ تَغْيِيرٌ حَقِيقِيٌّ يَحْدُثُ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ نُدُوبًا فِي جَسَدِ المَاضِي.
فَالصِّرَاعُ بَيْنَ (الأَنَا) وَ(الآخَرِ)، بَيْنَ (المَوْجُودِ) وَ(الْمَنْشُودِ)، هُوَ مِحْرَكُ التَّارِيخِ.
كُلُّ نِظَامٍ جَدِيدٍ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ بَذْرَةَ فَنَائِهِ لِيُوَلِّدَ مَا هُوَ أَرْقَى مِنْهُ.
إِنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي يَهْرَبُ مِنَ الأَلَمِ، يَهْرَبُ فِي الحَقِيقَةِ مِنَ الوِلَادَةِ.
وَيَبْقَى رَهِينَ الظَّلَامِ وَالرُّكُودِ، خَائِفًا مِنْ نُورِ الفَجْرِ الَّذِي يَحْرِقُ العُيُونَ.
لَكِنَّ الشُّجَاعَ هُوَ مَنْ يَقْبَلُ التَّحَدِّيَ وَيَخُوضُ غِمَارَ التَّجْرِبَةِ القَاسِيَةِ.
فِي المَخَاضِ الِاجْتِمَاعِيِّ، نَجِدُ الصِّدَامَ بَيْنَ الطَّبَقَاتِ وَالأَهْوَاءِ وَالمَصَالِحِ.
وَمِنْ هَذَا الرُّكَامِ، تَنْهَضُ رُؤْيَةٌ جَدِيدَةٌ لِلْعَالَمِ، أَكْثَرُ نُضْجًا وَوَعِيًا.
إِنَّ الوِلَادَةَ الجَدِيدَةَ لَيْسَتْ تِكْرَارًا لِمَا مَضَى، بَلْ هِيَ طَفْرَةٌ نَوْعِيَّةٌ.
هِيَ لَحْظَةُ الانْعِتَاقِ مِنَ الجَاذِبِيَّةِ القَاتِلَةِ لِلْعَادَاتِ البَالِيَةِ وَالتَّقَالِيدِ العَقِيمَةِ.
لَا يُمْكِنُ لِلإِبْدَاعِ أَنْ يَكُونَ دُونَ قَلَقٍ، وَلَا لِلْحُرِّيَّةِ أَنْ تَكُونَ دُونَ تَبِعَاتٍ.
فَالحَيَاةُ تُجَدِّدُ نَفْسَهَا عَبْرَ نَفْيِ النَّفْيِ، فِي سِلْسِلَةٍ لَا تَنْتَهِي مِنَ الأَلَمِ.
هَذَا الأَلَمُ لَيْسَ عَبَثِيًّا، بَلْ هُوَ أَنِينُ القِيَمِ وَهِيَ تَتَشَكَّلُ فِي ثَوْبِهَا الجَدِيدِ.
إِنَّ المَجْتَمَعَ الحَيَّ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ أَوْجَاعَ النُّمُوِّ وَيَرْفُضُ رَاحَةَ المَوْتِ.
فَكُلُّ نَهْضَةٍ كُبْرَى فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ كَانَتْ صَرْخَةً فِي وَجْهِ العَدَمِ.
وَكُلُّ فِكْرَةٍ خَالِدَةٍ كَانَتْ فِي بَدْئِهَا جُرْحًا نَازِفًا فِي جَسَدِ الجَهْلِ.
لِذَا، سَتَبْقَى الوِلَادَةُ دَائِمًا مَقْرُونَةً بِالأَلَمِ، لِأَنَّ الحَيَاةَ تَعْشَقُ الصُّعُودَ.
تعليقات
إرسال تعليق