الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني
قراءة تحليلية
حين انقشع الضباب عن أطراف جزيرة معزولة، تبيّن أن العالم كان صامتا عن طقوس استباحت حرمة الأطفال، فابتسم للشرّ كعقيدة، وارتدى القناع دينا. هناك، في تلك البقعة المرتبطة باسم جيفري إبستين، تزلزلت أركان جدار وتهاوى، والذي كان يحجب عن الأبصار شبكة صهيونية إسرائيلية تقود مصالحها بتأجيج الغرائز بمشاركة السلطة المتواطئة مع نزواتها لسنوات طويلة.
العالم رأى صورا وتسجيلات وشهادات وملفّات شكّلت زلزالا أخلاقيا وكشفت عن حقائق صادمة عن عبادة الشيطان وسوء استغلال الأطفال بطرق تقشعرّ لها الأبدان، فاهتزّت تصوّراته القديمة ومعتقداته عن الشيطان ودينه القاتل أمام بشاعة ما جرى. فجأة، صار الشرّ ملموسا، له عناوين ومدارج طائرات وقصور منعزلة. منظومة قيم مقلوبة رأسا على عقب، ترى الإنسان مادة للتجربة، وبراءة الأطفال سلعة للاستهلاك، وأجساد القاصرات والنساء ساحة نفوذ.
أتباع هذا المسار الذي تسير عليه منظومة الشيطان راهنوا على التمويه، واعتبروا أن النفوذ درعهم أبدي، وتعاملوا مع الإعلام كأداة لتحوير الحقيقة كما يشاؤون، وأن القانون في صفّهم كوسيلة طيّعة تروّض بسهولة، وأن الضحايا التي قطّعت أوصالها وفتّت عظامها وأكلت لحومها وشربت دماؤها مجرّد أسماء تمسح مع مرور الوقت فتذهب أدراج التاريخ.
أتباع الشيطان أخطأوا في الترويج له بالجرائم حين ارتكبت باسم المتعة والمكر حين مورس باسم الذكاء والشذوذ والجنس حين سوّقوا باسم الحرية.
السؤال الذي ارتفع من قلب الفضيحة كان بسيطا وعميقا: أيّ مقام للإنسان إذا جرّد عن قدسيته؟
جزيرة جيفري إبستين تحوّلت إلى مرآة كونية، تعكس قبح وفظاعة الطقوس الشيطانية حين تلبس ثوب النخبوية. هناك، أدرك كثيرون أن ما يسمّى "دين الشيطان" يقوم على تأليه الرغبة، وعلى عبادة الذات، وعلى سحق الضعيف الذي لا حول له ولا قوة.
غير أنّ سنّة الحق تعمل بصبر عجيب؛ فكلّ طغيان يتضخّم حتى يفضح ذاته. وما حدث أعاد للناس حسّ الفطرة. رجع الحديث عن المسؤولية، وعن قدسية الجسد، وعن حرمة الطفل.
لتتجلّى سنّة الحياة: كلّ باطل يبلغ ذروته ثم ينكفئ، وكلّ حقّ يحاصر ثم يشرق.
الوعي الذي تولّد من صدمة الفضيحة صار طاقة مقاومة، وأيقظ ضمير العالم من سباته الذي بات أكثر حساسية تجاه كلّ ممارسة تهين الطفل وتقتله وتنتهك عرض المرأة ثم تعرض على موائد الولائم في صور سادية لا تخطر على عقل عاقل وبعد ذلك ترمى بقاياها في مكبّ النفايات كأنها لم تكن يوما إنسانا من هذا العالم.
الناس باتت ترى حقيقة الشيطان وأعوانه وجميعهم استنكر دينه وعاد دين الله للواجهة، خسر الشيطان حربه مع البشر ومع الله على يد المغفّلين من أتباعه.
في السنوات المقبلة، يتعاظم حضور الخطاب الإيماني في الفضاء العام، ويزداد البشر إقبالا على دين الله، ومحاربة كل من له صلة بدين الشيطان وبكل الوسائل الممكنة. وما دسّه الشيطان مع أتباعه المفسدون في الأرض خلف الكواليس، أظهره الله فجأة، فاندفع إلى العلن عبر المنصّات الرقمية، وتدفّق إلى الشاشات في البيوت، حتى صار الانكشاف حدثا يوميّا لا يمحى. وسائل التواصل تحولت إلى ساحات عرض للحقيقة، تنقل الوثائق كما هي دون تزييف، ليتعزّز الإدراك بأن الشيطان عدو للبشرية منذ الأزل، ومنتهى الختام.
وهكذا يغدو العالم واقفا على تخوم طور جديد من اليقظة، مرحلة تتدافع فيها الأسئلة الكبرى، وتعلو فيها نبرة المحاسبة الداخلية. فهل تظلّ أبواب التوبة مشرّعة، أم أنها أغلقت إلى الأبد لمن أدرك الحقيقة بعد طول غفلة؟ أم أن لحظة الحسم لمصير الأمة الحالية قد بدأت فصولها العظام؟ هل هذه الوقائع إشارات من مشاهد الفتن الكبرى في آخر الزمان، تهيّئ العالم بعدها لقيام الساعة وخروج الدجّال الذي كان يدير كل تلك الجرائم المروعة من وراء الستار؟ هل من سلك دروب الانحراف والفساد، واستجاب لوسوسة الشيطان، سواء بتواطؤ مباشر أو مشاركة من بعيد أو صمت مريب، يعيش الآن لحظة مكاشفة داخلية أمام مرآة الحقيقة، ليحاسب ذاته قبل أن يحاسب؟ وهل سيظهر الإنسان ندمه الشديد عاى تكذيبه لرسل الله وقتله الأنبياء بغير حق؟
ثم ماذا عن طلب الغفران ممّن تبيّن صدقه منذ البداية، وتجلّى أن الشيطان هو الكاذب منذ البداية، وأنه أضلّهم جميعًا، ثم أظهر لهم حقيقته وأنهم اتبعوه مخدوعين بوهمٍ صنعه لهم؟ هل يشير انكشاف الأدلة إلى أن الشيطان أغواهم، وأن المصير هو النار وقد كُتبت عليهم؟
ماذا يقول اليوم من ارتكب فاحشة الزنا وجعل الشهوة الآمر الناهي عليه، واتبع خطوات الشيطان وتشبّه به في سلوكه، وسار على أثره في غوايته؟؟
ماذا يقول اليوم من سار خلف الخطوة الأولى وهو يدرك تمام الإدراك وجهتها؟ من مدّ يده إلى ما ليس له وسرق ومن غاص في عوالم التلاعب والخداع واستدعى قوى الظلام من الشياطين وسحر القريب، من كذب وزوّر وكتم الحق... هل يشعر اليوم بأن ما ظنّه تمكينا، كانفي الحقيقة استدراجا من عدوه الشيطان، الذي سلّم له زمام أموره طواعية؟
أأدركتم أنه أغواكم، ههه، وتلاعب بكم، لا يحبّكم ولكنه استباح أجسادكم التي قدمتموها له بإرادتكم؟ هل استوعبتم أن اليد التي صفّقت لكم كانت تدفعكم ببطء نحو الهاوية، وأنه استدرجكم عبر الوعود ثم ترككم أمام حصاد أفعالكم، المكدّس أكواما أكواما كالجبال؟ لقد قدّم لكم الوهم في صورة نشوة وحرية، وهذا الإصرار الذي تمسكتم به، ساقكم إلى مصيركم الذي صنعتموه بأيديكم.
في النهاية، يظلّ جيفري إبستين مثالا على الفساد البشري والانحراف الأخلاقي، ونموذجا لكل يهودي على وجه الأرض بجميع أفعاله، من استغلال وجرائم قتل وتقديم ضحايا، ومدى الشر الذي يمكن أن يسلكه الفاقد للضمير والمتلاعب بالآخرين. فجميعهم لديهم أنفاق تحت بيوتهم لعبادة الشيطان والتقرّب منه عبر تلك الطقوس الشيطانية البشعة.
المطلوب اليوم تعزيز منظومات الرقابة القانونية والإعلامية، وتحصين التشريعات الخاصة بحماية القاصرين، وتفكيك الشبكات الإجرامية الصهيونية العابرة للحدود عبر آليات القانون الدولي والتعاون القضائي العالمي. تطهير المؤسسات من كل أشكال التواطؤ مع هذه المنظومات الإسرائيلية المتشعّبة في كل أنحاء العالم كخطوة مفصلية حاسمة، مساءلة والتحقيق مع كل يهودي وتفتيش بيته الذي يعدّ ضرورة قسوة، لأمن وسلامة باقي الاجناس من البشر، أيّا كان موقعه أو اسمه أو خلفيته.
من واجب العالم اليوم إحقاق الحق عبر تحقيقات دقيقة، وصون الكرامة الإنسانية بالمحاكمة العادلة والصارمة، لترسيخ ميزان العدل.

تعليقات
إرسال تعليق