بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي
لا يمكن فصل شريان الحياة عن جدار الحماية في عالم اليوم المعقد، فقد تداخلت خيوط الاقتصاد والأمن حتى صارت نسيجاً واحداً يصعب تفكيكه لم يعد الأمن مجرد جيوش على الحدود وأساطيل في المحيطات، بل تحول إلى أمن سلاسل التوريد التي تجلب الدواء والغذاء، وأمن البيانات التي تدير البنوك والمستشفيات، وأمن الطاقة الذي يضيء المدن ويحرك المصانع وفي المقابل، لم يعد الاقتصاد معادلة ربح وخسارة محصورة في الأسواق، بل تحول إلى سلاح استراتيجي يتقدم بهجوم العقوبات المالية، ويتحصن بسياسات الاكتفاء الذاتي، ويخوض حروب العملات الرقمية لقد سقط الحاجز الوهمي بين القوة الناعمة والقوة الصلبة، وولد بينهما كائناً هجيناً اسمه "القوة الاقتصادية الأمنية"، حيث تحدد القيمة الاستراتيجية للسيليكون المستخدم في الرقائق الإلكترونية معادلات التحالف والصراع، وتتحول خطوط أنابيب الغاز إلى أدوات ضغط سياسي، وتصبح السيطرة على ممرات الشحن البحرية مسألة حياة أو موت للاقتصاد القومي نحن أمام لعبة جديدة، قواعدها معقدة ونتائجها مصيرية.
واذ ما تم النظر إلى أولويات الدول الكبرى اليوم، ستجدها تتكلم لغة واحدة "إعادة التصنيع الاستراتيجي". إنها ليست مجرد سياسة اقتصادية لخلق فرص عمل، بل هي استراتيجية أمنية عليا لاسترداد السيطرة على القدرات الإنتاجية الحيوية فالدولة التي تعتمد على عدو محتمل في توريد الرقائق الدقيقة لصناعة أسلحتها، أو في توريد الأدوية الأساسية لشعبها، هي دولة في خطر وجودي، حتى لو كانت تمتلك أقوى الجيوش لذلك نرى سباقاً محموماً لاستعادة مصانع أشباه الموصلات، وإنتاج البطاريات، وتصنيع الأدوية الحيوية داخل الحدود الوطنية أو في دول موثوق بها فقط الأمن لم يعد على الحدود، بل انتقل إلى قلب سلسلة القيمة العالمية، وأصبحت حماية هذه السلسلة من الانهيار أولوية تفوق أحياناً حماية الحدود ذاتها وأصبحت عبارة "سلاسل الإمداد القصيرة والمرنة" هي الشعار الجديد، بديلاً عن نموذج العولمة القديم القائم على التفويض الكامل والتبعية المتبادلة.
لكن هذه الأولوية الجديدة تخلق تناقضاً صارخاً مع الواقع، فهي تدفع نحو "سيادة اقتصادية" وانكفاء وطني من ناحية، بينما تظل التحديات الكبرى التي تواجه البشرية، مثل تغير المناخ والأوبئة العالمية، تتطلب تعاوناً عالمياً غير مسبوق من ناحية أخرى كيف يمكنك بناء الجدران الاقتصادية لحماية مصالحك، وفي نفس الوقت تفتح النوافذ للتعامل مع أزمات لا تحترم هذه الجدران؟ هنا يظهر تحدي الموازنة الأصعب بين حماية المكاسب القومية الضيقة والمشاركة في إدارة المخاطر العالمية المشتركة إنها معضلة القرن الحادي والعشرين، حيث لا يمكن الفوز في معركة المناخ بدون تعاون دولي، ولا يمكن ضمان الأمن الاقتصادي بدون استقلال استراتيجي.
لذلك، تتحول الاستراتيجيات الوطنية إلى "حصون اقتصادية ذكية"، تبني الأسوار في مجالات حيوية وتفتح الجسور في مجالات أخرى التركيز ينصب على "الأمن التكنولوجي" كأعلى سلم الأولويات، عبر الاستثمار الهائل في الذكاء الاصطناعي والكمبيوتر الكمي والتقنيات الحيوية، باعتبارها حقل المعركة الحاسم للتفوق المستقبلي وفي نفس الوقت، تبرم صفقات لتقاسم المعرفة حول الأمراض الوبائية أو تطوير الطاقة النظيفة إنها لعبة مركبة، تجمع بين المنافسة الشرسة والتعاون المصلحي القسري المستقبل الذي يتشكل الآن ليس عالم سوق حرة مفتوحة، ولا عالم معسكرات اقتصادية منغلقة، بل هو عالم "الكتل الاقتصادية الأمنية" المتجانسة داخلياً والمتنافسة خارجياً، حيث يصبح الانتماء للسوق المشتركة أو منطقة التجارة الحرة مسألة أمن قومي بحد ذاتها وهكذا، يذوب الفارق بين وزير الدفاع ووزير الاقتصاد، وتذوب الخطوط بين الاستثمار والتحصين، في مشهد جديد تتحكم فيه الثروة في قواعد الأمن، ويحمي الأمن مصادر الثروة، في دائرة مصيرية لا تنتهي.

تعليقات
إرسال تعليق