القائمة الرئيسية

الصفحات

«الباز وخطاب “اللعب”: عندما تتحول معاناة المغترب إلى مادة إعلامية رخيصة»


بقلم الدكتور إبراهيم ابوالمجد إبراهيم أبو عيسى 


علّمنا الأستاذ الدكتور عصام الدين هلال أستاذ اصول التربية بكلية التربية جامعة كفرالشيخ أن مفردات الخطاب ليست بريئة، وأن تحليل اللغة هو الطريق الأقصر إلى أعماق الفكر، فالكلمات مرايا أصحابها، تكشف وعيهم، وانحيازهم، وموقعهم من الحقيقة. ومن هذا المنطلق، فإن أي تصريح إعلامي لا يُقاس بنبرة الصوت ولا بعدد المشاهدات، بل بسلامة الرؤية، ونزاهة اللغة، واحترام الإنسان.

وعندما نطالع خطابًا إعلاميًا باهت الأداء، ضبابي الرؤية، خاليًا من أي عمق تحليلي، ندرك أننا أمام خطاب تابع لا قائد، خطاب موظف يخشى زوال الامتياز قبل أن يخشى زوال الحقيقة، فيختار الطريق الأسهل: الضرب في الفئات الأضعف.

هنا يصبح المغترب — لا الفاسد ولا المستفيد الحقيقي — هو الهدف. يُقدَّم على أنه من “أصحاب الملايين”، في تجاهل فجّ لواقع آلاف خرجوا من وطنهم مُكرهين لا مترفين، هاربين من انسداد الأفق لا باحثين عن ترف، متحملين الغربة والقهر والاستغلال لأن البقاء في الوطن كان أشد قسوة من الرحيل. هو اختار السيّئ ليهرب من الأسوأ.

المفارقة الصارخة أن من يتقاضى الملايين بلا عناء حقيقي، يتحدث عن المغترب الفقير وكأنه لاعب أموال، لا كادح أعمار. وتبلغ الأزمة ذروتها حين تنفلت اللغة، فيُستخدم توصيف سوقي فجّ مثل: “المغترب بيلعب في خمسة أو ستة ملايين”.

هذه الكلمة وحدها — بيلعب — كاشفة أكثر من أي تحليل. فهي لا تنتمي إلى لغة الاقتصاد، ولا إلى خطاب وطني مسؤول، ولا إلى إعلام محترم، بل إلى عقلية تختزل الكفاح في مقامرة، والعمل في حيلة، والكدّ في “لعبة”. وحين تفسد اللغة، يفسد الوعي.

المشكلة إذن ليست في رقم ذُكر، بل في العقل الذي صاغه، وفي المنظور الذي يرى المغترب خصمًا لا شريكًا، عبئًا لا سندًا، مادة للسخرية لا للتقدير. وهذا خطاب لا يبني وطنًا، ولا يصنع وعيًا، ولا يستحق صفة “إعلامي فذ”، بل هو نموذج لإعلام يفتقر إلى الشرف المعرفي قبل أن يفتقر إلى المهنية.

أما المغترب، فسيبقى — رغم كل هذا — صورة للإنسان الذي دفع ثمن اختيارات لم يصنعها، وحمل عن وطنه أعباءً لم يعترف بها أحد، ويستحق التعاطف والإنصاف، لا التشويه والازدراء.

تعليقات